الطهي على أحجار البازلت.. حكاية أشهر وجبة تراثية لدى قبائل حلايب وشلاتين

تعيش قبائل البشارية والعبابدة في جنوب شرق البلاد وتحديدًا بمنطقتي حلايب وشلاتين، حيث تتنوع العادات والتقاليد تبعًا لاختلاف البيئات لاسيما بين أبناء القبائل وسكان الصحراء الشرقية الممتدة، وعلى مدار سنوات طويلة، حافظ أبناء البشارية والعبابدة على عادة تعرف باسم “الكرامة” وهي تتمثل في ذبح الذبائح أو توزيع التمر والحلوى تقربًا إلى الله، سواء طلبًا لرفع البلاء أو احتفالًا بمناسبة سعيدة مثل قدوم مولود جديد إذ ينظرون إليها باعتبارها وسيلة لشكر الله في أوقات الرخاء والشدة، إلى جانب إطعام الفقراء والمحتاجين منها.
الكرامة بين الموروث والبركة
وفي ذها الإطار أوضح الحسن أدم، أحد أبناء حلايب وشلاتين، أن القبائل في الماضي كانت تقدم الذبائح قبل الحروب طلبًا للنصر، تنفيذًا لوصايا المشايخ وكبار القبيلة، مشيرًا إلى اعتقاد متوارث لدى الأهالي بأن دخان طهي “الكرامة” في الوديان الجبلية يسهم في طرد الأوبئة ومنع وصولها إلى البلاد، فضلًا عن نشر البركة بين الناس.
وتابع ابن قبيلة البشارية أن الكرامة قد تكون من خلال ذبح المواشي، وهو الشكل الأكثر شيوعًا والأفضل لدى الأهالي كما قد تتمثل في توزيع التمر والحلوى بحسب القدرة المادية لصاحبها إذ تعد وسيلة لطلب البركة والرزق أو درء الشرور، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأهالي يذبحون الذبائح طلبًا للبركة في مواشيهم أو عند الشروع في مشروعات جماعية، مثل حفر الآبار أو الانتقال إلى منزل جديد أو شراء سيارة.
مناسبات لا تغيب عنها الكرامة
وأضاف “الحسن” أن الكرامة تقدم أيضًا عند العودة من أداء الحج أو العمرة أو بعد النجاة من حادث أو تعافي مريض بل وحتى عند هطول الأمطار، كما يطلق مصطلح الكرامة على الذبائح التي تقدم في الأفراح واحتفالات سبوع المولود، المعروفة محليًا باسم “السماية”، وكذلك على ما يذبح في ثالث أيام العزاء.
كما يحرص أصحاب الإبل أو الأغنام الكثيرة من وقت لآخر على ذبح شاه كرامة لله طلبًا للبركة في مواشيهم، ثم يدعون الأقارب والأصدقاء إلى وليمة يصفونها بأنها “كرامة لله”. وعادة ما يتم إعداد هذه الكرامة وطهيها بطريقة “السلات”، التي تعد الطريقة الأساسية والثابتة لدى أبناء القبائل في جنوب مصر.
السلات.. مذاق التراث
وفي السياق ذاته، كشف “الحسين” أن السلات من أشهر الأكلات التراثية وأكثرها انتشارًا بين الأهالي خاصة خلال المناسبات الاجتماعية مثل حفلات الزفاف والولائم الكبرى حيث تمثل لدى أبناء القبائل رمزًا للكرم وحسن الضيافة، وغالبًا ما يتم إعدادها عند استقبال الضيوف أو خلال الاحتفالات الجماعية، مؤكدًا أن سر شهرتها يعود إلى طريقة طهيها الخاصة التي تناقلتها الأجيال عن الآباء والأجداد.
وأوضح أن طبق “السلات” يعتمد في الأساس على لحم الضأن الطازج، الذي يتم شويه بطريقة مميزة فوق أحجار البازلت السوداء، وهي أحجار بركانية طبيعية تنتشر بكثرة في المناطق الجبلية بالمنطقة.
كما تتميز هذه الأحجار بقدرتها العالية على امتصاص الحرارة والاحتفاظ بها لفترات طويلة، ما يساعد على نضج اللحم بصورة متساوية، ويسهم في الوقت ذاته في التخلص من نسبة كبيرة من الدهون الزائدة، ليصبح اللحم أخف وأكثر فائدة مع احتفاظه بمذاقه المميز.
وأضاف الحسن أدم، ابن قبيلة العبابدة، أن إعداد “السلات” يمر بعدة مراحل دقيقة تبدأ باختيار قطع اللحم المناسبة من الضأن، ثم تنظيف أحجار البازلت جيدًا والتأكد من جاهزيتها، يلي ذلك إشعال النار أسفلها حتى تصبح شديدة السخونة وتشبه الجمر.
وبعد وصولها إلى درجة الحرارة المطلوبة، يوضع اللحم فوقها ليُترك مدة كافية حتى ينضج بالكامل، فيصبح طريًا من الداخل ومقرمشًا من الخارج، مع احتفاظه بنكهة خاصة لا توفرها طرق الشواء التقليدية الأخرى.



