في تقرير نشره الصحفي ماجد محمد فتحي بموقع وجريدة الأهرام، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الوقائع غموضًا وإثارة في تاريخ الثورة العرابية، وهي حادثة مقتل المستشرق البريطاني إدوارد هنري بالمر في صحراء سيناء عام 1882، التي وصفها عدد من المؤرخين بـ”دنشواي سيناء”، لما حملته من دلالات على رفض أبناء سيناء للاحتلال البريطاني، وإفشالهم واحدة من أخطر المهام الاستخباراتية التي سبقت احتلال مصر، في واقعة تجسد مبكرًا الدور الوطني لأبناء سيناء في الدفاع عن البلاد والتصدي للمخططات الاستعمارية.
وتكشف هذه الواقعة أن الاستشراق لم يكن دائمًا نشاطًا علميًا أو ثقافيًا، بل استُخدم أحيانًا غطاءً للعمل الاستخباراتي، حيث وظفت بريطانيا بعض المستشرقين لتمهيد الطريق أمام قواتها العسكرية، قبل أن يصطدم مخططها بمقاومة أبناء القبائل السيناوية.
جاسوس في ثوب مستشرق
مع تصاعد أحداث الثورة العرابية عام 1882، وضعت الحكومة البريطانية خطة متكاملة لاحتلال مصر، لم تعتمد فقط على القوة العسكرية، وإنما على جمع المعلومات واختراق المجتمع المحلي، خاصة في سيناء ومنطقة القناة.
وفي هذا الإطار، وقع الاختيار على المستشرق البريطاني إدوارد هنري بالمر، أستاذ اللغة العربية بجامعة كامبريدج، والذي كان يتقن العربية ولهجات البدو، وعرف بين قبائل سيناء باسم “الشيخ عبدالله” بعد زيارات متكررة للمنطقة ضمن بعثات استكشافية لدراسة آثار سيناء وطبيعتها.
ورأت السلطات البريطانية أن معرفة بالمر بطبيعة المجتمع السيناوي وعلاقاته السابقة مع بعض القبائل تؤهله لتنفيذ مهمة استخباراتية بالغة الحساسية تمهد للاحتلال البريطاني.
مهمة سرية لتمهيد الاحتلال
وافَق بالمر على المهمة التي كلفته بها وزارة الحربية البريطانية مقابل مكافآت مالية، وكلّف باستطلاع ولاءات القبائل، واستمالة المشايخ بالأموال، وشراء أكبر عدد من الجمال لاستخدامها في نقل الإمدادات العسكرية، والعمل على منع انضمام بدو سيناء إلى قوات الزعيم أحمد عرابي، بل ومحاولة استقطابهم للقتال إلى جانب الجيش البريطاني.
وقبل انطلاقه، تلقى تعليماته من الأدميرال البريطاني بوشامب سيمور، قائد الأسطول البريطاني الراسي أمام الإسكندرية، الذي أطلعه على خطة قصف المدينة، وكلفه بالتحرك إلى يافا ومنها إلى سيناء مرتديًا الزي العربي لإجراء اتصالات مباشرة مع القبائل، في محاولة لعزلها عن الثورة العرابية وتأمين تقدم القوات البريطانية.
رحلة بدأت من لندن وانتهت في وادي سدر
غادر بالمر لندن في 26 يونيو 1882 متخفيًا بصفته مراسلًا لصحيفة «ستراند»، ووصل إلى الإسكندرية حيث زود بالأسلحة والتعليمات الجديدة، ثم انتقل على متن زورق بخاري تابع للبحرية البريطانية إلى يافا، حيث نزل ضيفًا على القنصل البريطاني.
وفي يافا، اشترى ملابس عربية، واستعان بطباخ يهودي يدعى بخور حسون، واستعد لدخول سيناء، كما كان يحمل رسالة توصية من الخديو توفيق إلى مسؤولي الدولة في بورسعيد ومنطقة القناة، تطلب منهم تقديم جميع أوجه المساعدة والتسهيلات له دون تحفظ.
ورغم شكواه في مذكراته من قسوة الصحراء وارتفاع درجات الحرارة، فإنه كان يمني نفسه بالمكافآت والأوسمة التي سينالها حال نجاح مهمته.
اعترافات خطيرة في مذكراته
تكشف المذكرات الشخصية التي عثر عليها بحوزة بالمر بعد مقتله حقيقة الدور الذي كان يؤديه، إذ كتب فيها:
“سيكون هناك احتلال لمصر، ومهمتي في هذه الرحلة أن أستطلع أحوال الأعراب، وعندما يحين الوقت ستكون لدي القوات والسفن الحربية لتدعمني.”
كما أظهرت مذكراته أنه كان ينتظر بدء قصف الإسكندرية ليبدأ تنفيذ مهمته داخل سيناء، بعدما وصل إلى غزة في 15 يوليو 1882، وكان واثقًا من نجاح خطته في استمالة القبائل لصالح الاحتلال البريطاني.
أوهام القوة والمال
لم يكتفِ بالمر بجمع المعلومات، بل بالغ في تقاريره إلى الحكومة البريطانية، مدعيًا قدرته على تجنيد 40 ألف مقاتل من بدو سيناء ضد الثورة العرابية، وهو رقم يفوق بأضعاف الواقع آنذاك.
واقتنعت لندن بتلك المزاعم، فسلمته مبلغًا ضخمًا بلغ 20 ألف جنيه إسترليني لتوزيعه على القبائل، كما كلفته بمهمة إضافية تتمثل في قطع خطوط التلغراف العثمانية بين مصر وإسطنبول، بما يضمن عزل الثورة العرابية عن أي دعم خارجي.
أبناء سيناء يحبطون المخطط
لكن تحركات بالمر لم تكن بعيدة عن أعين المصريين.
فقد وصلت معلومات المهمة إلى اليوزباشي علي حسين، قائد قلعة نخل، الذي أدرك طبيعة المخطط البريطاني، وتعاون مع رجال من قبيلتي الترابين والحويطات لتعقب البعثة البريطانية.
وفي وادي سدر بجنوب سيناء، تمكن رجال القبائل من إيقاف البعثة، وألقي القبض على بالمر ورفيقيه البريطانيين، قبل أن يُعدموا رميًا بالرصاص، لتنتهي بذلك واحدة من أخطر العمليات الاستخباراتية البريطانية قبل احتلال مصر.
وتتناقل الروايات الشفوية بين أبناء القبائل أن جثث بالمر ورفيقيه رُبطت على جذوع النخيل في وادي سدر لمدة يومين، في رسالة تؤكد رفض أبناء سيناء لأي محاولة لاختراق أرضهم أو شراء ولائهم.
انتقام بريطاني ومحاكمات قاسية
أثار مقتل بالمر صدمة وغضبًا واسعًا في بريطانيا، فأوفدت السلطات البريطانية بعثة تحقيق عسكرية بقيادة الكولونيل تشارلز وارن، الذي قاد حملة واسعة داخل سيناء للقبض على المشاركين في العملية، مستخدمًا وسائل تحقيق قاسية للحصول على الاعترافات.
وأسفرت المحاكمات العسكرية عن إعدام 11 من أبناء القبائل علنًا في الزقازيق، وسجن آخرين، وعزل قائد قلعة نخل من منصبه، إلى جانب مصادرة ممتلكات بعض القبائل، فيما نُقلت رفات بالمر إلى لندن ودُفنت في كاتدرائية سانت بول تكريمًا له باعتباره خدم التاج البريطاني.
بطولة سبقت الاحتلال
ورغم أن حادثة مقتل بالمر مثلت ضربة موجعة للمخطط البريطاني، فإنها لم تمنع الاحتلال الذي وقع لاحقًا بعد هزيمة الثورة العرابية في معركة التل الكبير، إلا أنها بقيت شاهدًا على أن أبناء سيناء كانوا من أوائل من تصدوا للمشروع الاستعماري البريطاني، ورفضوا إغراءات المال والانقلاب على وطنهم.
وتعد هذه الواقعة واحدة من أبرز صور المقاومة الشعبية المصرية، إذ أثبتت أن القبائل السيناوية كانت شريكًا أصيلًا في الدفاع عن مصر، وأنها أفشلت مهمة استخباراتية كان يُعوَّل عليها لتسهيل الاحتلال.
رسالة تتجدد في ذكرى 30 يونيو
ومع إحياء المصريين لذكرى ثورة 30 يونيو، تتجدد استعادة هذه الصفحة المشرقة من التاريخ الوطني، باعتبارها شاهدًا على أن الدفاع عن الوطن ووحدة أراضيه ظل عبر العصور مسؤولية مشتركة بين الشعب ومؤسسات الدولة، وأن أبناء سيناء كانوا دائمًا في مقدمة الصفوف لحماية أرضهم وإفشال مخططات التدخل الأجنبي.
وتبقى حادثة مقتل إدوارد هنري بالمر واحدة من أهم بطولات المقاومة الوطنية التي تستحق أن تُروى للأجيال، ليس فقط باعتبارها واقعة تاريخية، بل بوصفها درسًا يؤكد أن الوعي الوطني والانتماء كانا السلاح الأول في مواجهة أطماع الاحتلال، وأن سيناء كانت وستظل خط الدفاع الأول عن مصر.