تحدي فرسان له أصول وقواعد.. المرماح الصعيدي تراث يحكي تاريخ الفروسية في مصر

أميرة جادو
على إيقاعات المزمار الصعيدي تتهادى الخيول المزينة بأبهى حللها وترسم بحركاتها الرشيقة لوحات من الجمال والفروسية بينما يتسابق الفرسان من الشباب والرجال في مشهد شعبي نابض بالحياة يجسد واحدًا من أبرز الموروثات التي ما زالت حاضرة بقوة في صعيد مصر وهو «المرماح» ويرتبط هذا التقليد في وجدان أبناء الصعيد بالمناسبات الكبرى، وعلى رأسها شهر رمضان حيث تلتقي العائلات والقبائل في ساحات واسعة ليس فقط من أجل التنافس، وإنما لإحياء إرث عريق يجمع بين الفروسية والاحتفال وروح الانتماء.
المرماح الصعيدي
ويتم إقامة المرماح في مساحات مفتوحة واسعة، غالبًا ما تكون أراضي زراعية أو فضاءات بعيدة عن التجمعات السكنية، يتم إعدادها خصيصًا لاستقبال الخيول والفرسان والجمهور.
ومع اقتراب موعد الفعالية تتحول الساحة إلى مشهد حي تنبض تفاصيله بالحركة حيث تحدد الخيول المتأهبة والمزمار البلدي ملامح المكان فيما تصطف العائلات على الجانبين في حلقات متجاورة بين من يقف لمتابعة العروض ومن يجلس على الأرض أو فوق مصاطب أعدت لهذا الغرض، ولا يقتصر الحضور على الفرسان وحدهم، بل يتوافد الأهالي من مختلف الفئات العمرية، رجالًا ونساءً وأطفالًا، منذ الساعات الأولى، لمشاهدة هذا الحدث الذي يشبه في أجوائه احتفالًا جماعيًا كبيرًا.
وتتبادل الأسر التحيات فيما ترتفع الزغاريد مع كل انطلاقة قوية للخيل، بينما يتابع الكبار تفاصيل العروض بخبرة ودراية، ويقف الصغار مأخوذين بجمال الخيول وحركاتها، في مشهد يعيد إلى القرية روحها الأصيلة ويؤكد أن المرماح ليس مجرد مناسبة عابرة، بل لقاء اجتماعي يعزز روابط الانتماء ويجدد الصلة بالموروث الشعبي.
ما هو المرماح؟
يعتبر المرماح من أبرز صور التراث الشعبي في صعيد مصر، حيث تتداخل الفروسية مع الموسيقى الشعبية في لوحة احتفالية مميزة، تخطف خلالها الخيول المزينة وفرسانها أنظار الحضور خلال الموالد والمناسبات الدينية والاجتماعية.
وعلى الرغم من التطورات التي طرأت على أنماط الحياة، ما زال المرماح يحتفظ بمكانته الراسخة في القرى والنجوع محافظًا على طابعه الاحتفالي وحضوره القوي في الوجدان الشعبي، فهو لا ينظر إليه باعتباره مجرد سباق للخيل بل يعد تجمعًا اجتماعيًا واسعًا تشارك فيه العائلات والقبائل، على أنغام المزمار البلدي، في تقليد توارثته الأجيال جيلاً بعد جيل.
وفي هذا الإطار أوضح الباحث في التراث الشعبي أحمد الجارد أن جذور المرماح تمتد إلى تقاليد عربية قديمة تعود إلى زمن الفتح الإسلامي.
ولفت “الجارد” إلى أن القبائل العربية اعتادت تنظيم سباقات الخيل وممارسة التحطيب واستخدام السيوف ضمن أنشطة التدريب والاحتفال، موضحًا أن هذه العادات انتقلت إلى مصر مع دخول القبائل العربية عام 21 هجرية حيث كانت تنطلق بخيولها من الفسطاط إلى الفيوم خلال موسم الربيع المعروف بـ«الارتباع»، وهي فترة كانت تمثل استراحة من القتال والجهاد، يتم خلالها تدريب الخيول وإقامة المرامح.
وتابع “الجارد” أن كل قبيلة كانت تستقر بخيولها في مناطق البرسيم لفترة تمتد إلى نحو ثلاثة أشهر، قبل العودة لاستكمال مهام القتال.
متى يقام المرماح؟
كما يرتبط المرماح ارتباطًا وثيقًا بالمواسم الدينية، وفي مقدمتها شهر رمضان، إلى جانب الموالد والمناسبات الاجتماعية المختلفة مثل حفلات الزواج.
وشدد “الجارد” على أن المرماح يعد عنصرًا أساسيًا في كثير من أفراح الصعيد حيث يتم توجيه الدعوات إلى الخيالة والحطابة قبل موعده بأسبوع كامل، مشيرًا إلى وجود مرماح سنوي كبير يقام خلال شهر مايو، حين تجتمع العائلات المالكة للخيول في مولد الحاج علي، أحد أشهر الموالد بالمنطقة، حيث تجهز مساحة واسعة لإقامة العروض بحضور فرق المزمار البلدي.
إشارة البدء
والجدير بالإشارة أن المزمار البلدي يلعب دورًا رئيسيًا في انطلاق فعاليات المرماح، إذ يمنح الإشارة الأولى لبدء العروض وتحرك الخيول. وبعد ذلك تبدأ طقوس «النقوط»، حيث يقدم الحاضرون مبالغ مالية رمزية تعرف باسم «السلام»، لتبدأ بعدها الخيول جولاتها داخل ساحة العرض وسط تفاعل واسع من الجمهور.
وفي هذا الصدد نفى أحمد الجارد ما يتردد حول تراجع شعبية المرماح بين الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الارتباط بالخيل ما زال قويًا، خاصة في محافظة قنا، حيث تمتلك غالبية المنازل حصانًا واحدًا على الأقل.
وأوضح أن ركوب الخيل يمثل امتدادًا لموروث ديني وثقافي متجذر، مستشهدًا بالأحاديث التي تشجع على تعلم الفروسية، مؤكدًا أن العديد من العائلات حافظت على هذا الإرث عبر أجيال متعاقبة، لافتًا إلى وجود أسر اشتهرت بالفروسية منذ ثلاثينيات القرن الماضي وما زالت متمسكة بهذا التقليد حتى اليوم.
بين الموالد والزفاف
وفي السياق ذاته يرتبط المرماح تاريخيًا بالمواسم الدينية واحتفالات أولياء الله الصالحين، مثل موالد سيدي عبد الرحيم القنائي في قنا، وسيدي أبو الحجاج في الأقصر، وسيدي أحمد بن إدريس، إضافة إلى موالد دندرة وغيرها من المناسبات الدينية المعروفة في الصعيد.
ويعد واحد من أكبر احتفالات المرماح والفروسية تلك التي يتم إقامتها خلال مناسبة المولد النبوي الشريف، حيث تشهد قرى ومدن الصعيد عروضًا واسعة تستقطب أعدادًا كبيرة من المشاركين والمتابعين.
ولم يعد المرماح مقتصرًا على الموالد الدينية فقط، بل أصبح حاضرًا بقوة في حفلات الزفاف، لا سيما لدى العائلات المقتدرة، من خلال ما يعرف بـ«رقصة الخيل» التي تقام خلال ساعات الليل.
وعلى الرغم من تراجع عدد حفلات الزفاف خلال شهر رمضان، فإن المرماح يظل حاضرًا في الذاكرة الشعبية والطقوس التراثية التي يحرص الأهالي على استمرارها.
طقوس تجهيز الخيل
أما عن تفاصيل تجهيز الخيل للمشاركة في المرماح فأن الفارس لا يحمل سوى «الزانة» إلى جانب اكتمال عدة الحصان التي تضم اللجام والسرج والزينة الخاصة بصدر الحصان.
وتتكون هذه العدة من عدة طبقات تهدف إلى حماية ظهر الحصان وإبراز مظهره الجمالي، بداية من اللباد وحتى العباءة المزخرفة التي يجلس عليها الفارس.
كما تنطلق عروض المرماح بفقرة تعرف باسم «التقصيف»، حيث يتحرك الفارس أمام فرقة المزمار بسرعة متوسطة لعدة مرات، ثم يقدم النقطة لفرقة العزف.
بعد ذلك تبدأ «المشالاة»، وهي مواجهة استعراضية بين فارسين تشبه المبارزة، يتم خلالها استخدام الزانة بدلًا من السيوف، وتتخللها حركات دوران ومراوغة متبادلة، حتى يتدخل فارس ثالث معلنًا انتهاء العرض.
وللمرماح طقوس خاصة تسبق ركوب الخيل، إذ يحرص الفرسان على قراءة سورة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين طلبًا للتحصين من الحسد، كما تكرر هذه الأدعية عقب انتهاء المشاركة.
كما يحرص كثير من الفرسان على خوض العروض وهم على وضوء، كما يضع بعضهم رموزًا شعبية مثل «الخمسة والخميسة» على الخيل، باعتبارها من العادات الموروثة المتداولة بين الأجيال.
والجدير بالذكر أن المرماح ما زال قادرًا على الاستمرار والبقاء في صعيد مصر، باعتباره إرثًا متجذرًا داخل العائلات، تحرص كل أسرة على نقله للأبناء والأحفاد، بوصفه جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية، وليس مجرد عرض احتفالي عابر.



