عادات و تقاليد

“التعليلة”.. العادة العربية التي كانت تهزم الوحدة قبل ظهور الهواتف

أسماء صبحي – وسط عشرات العادات العربية المرتبطة بالأفراح أو الضيافة. توجد عادة قديمة أقل شهرة اليوم لكنها كانت جزءًا يوميًا من حياة العرب في القرى والبادية وهي عادة التعليلة. وهي جلسة اجتماعية مسائية لم تكن تحتاج دعوة أو مناسبة أو تجهيزات، لكنها كانت كفيلة بأن تجمع الناس كل ليلة.

ما هي التعليلة؟

هي عادة اجتماعية عربية تقوم على تجمع أفراد العائلة أو الجيران أو أبناء العشيرة بعد غروب الشمس وحتى ساعات الليل الأولى من أجل الحديث والسمر وتبادل الأخبار وشرب القهوة أو الشاي. واللافت أن هذه الجلسات لم تكن مرتبطة بوليمة أو احتفال، بل كانت تحدث بشكل تلقائي ويومي تقريبًا. فبعد انتهاء العمل في الأرض أو الرعي أو الأعمال اليومية يخرج الناس للجلوس معًا باعتبار أن اللقاء نفسه جزء من الحياة.

جلسة بلا مواعيد

ما يميز هذه العادة أنها كانت قائمة على العفوية الكاملة. قلم يكن أحد يتصل ليخبر الآخرين بموعد الجلسة، ولم تكن هناك قوائم حضور أو ترتيبات مسبقة. كان الجار يمر على جاره، أو يجلس الناس في المضافة أو أمام البيت أو في ساحة القرية، وتبدأ الأحاديث تلقائيًا. وفي كثير من المناطق كان تقديم فنجان قهوة أو كوب شاي كافيًا لاستمرار الجلسة لساعات.

أكثر من سهرة

رغم بساطة هذه العادة فإن دورها تجاوز الترفيه. حيق كانت مساحة يتعلم فيها الصغار من أحاديث الكبار، وتنقل خلالها القصص الشعبية والتجارب والأمثال والحكايات القديمة. كما كانت مكانًا غير رسمي لاتخاذ قرارات تخص الأسرة أو العشيرة أو القرية.

وفي بعض المناطق كان حضور كبار السن يمنح الجلسة قيمة خاصة لأنهم يحكون قصص الأجداد والأزمات والمواقف التي مرت بها المجتمعات المحلية عبر السنوات.

التعليلة والفنون الشعبية

في بعض البيئات العربية لم تتوقف التعليلة عند حدود الكلام فقط. فقد كانت تتحول أحيانًا إلى مساحة للإنشاد الشعبي وإلقاء الشعر والعزف على الربابة أو أداء الأهازيج والدبكات الشعبية خاصة في المواسم والأعراس والمناسبات الكبرى. ولذلك اعتبر بعض الباحثين أن التعليلة شكل من أشكال الفرجة الشعبية التي تحمل عناصر أداء جماعي وفني متكامل.

لماذا اختفت هذه العادة تدريجيًا؟

مع دخول التلفزيون ثم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي تغير شكل اللقاءات اليومية. وكانت تعتمد الكثير من المجتمعات التي على التعليلة بدأت تستبدل الجلسات الواقعية بالتواصل الرقمي. كما أن تغير أنماط السكن والعمل قلل من اللقاءات اليومية المفتوحة بين الجيران والعائلات. ومع ذلك لا تزال بعض المناطق العربية تحافظ عليها ولو بشكل محدود باعتبارها جزءًا من التراث الاجتماعي.

ربما تبدو التعليلة عادة بسيطة جدًا مقارنة بإيقاع الحياة الحالي لكنها تكشف فكرة مختلفة عن العلاقات الاجتماعية: ولم يكن الاجتماع يحتاج سببًا. وأن الناس قديمًا كانوا يعتبرون الوقت الذي يقضونه مع بعضهم جزءًا من الحياة نفسها لا شيئًا إضافيًا على جدول اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى