المزيدكتابنا

د سهام جبريل تكتب: بيوت سيناء احتضنت خير أجناد الأرض شهادة من ذاكرة طفلة عاشت نكسة يونيو وصمود العريش

د سهام جبريل تكتب: بيوت سيناء احتضنت خير أجناد الأرض شهادة من ذاكرة طفلة عاشت نكسة يونيو وصمود العريش

بقلم / سهام عزالدين جبريل

في ذاكرة أبناء سيناء، لا يمثل الخامس من يونيو عام 1967 مجرد تاريخ في سجل الحروب، بل جرحًا وطنيًا عميقًا وتجربة إنسانية قاسية عاشتها أجيال كاملة. وبينما سجلت كتب التاريخ وقائع المعارك العسكرية، بقيت هناك صفحات أخرى لم تكتبها الوثائق الرسمية، بل حفظتها ذاكرة الناس وقلوبهم.

كنت طفلة صغيرة حين وقعت النكسة، لكن صور ذلك اليوم ما زالت حاضرة في وجداني بكل تفاصيلها. كان يومًا طويلًا وحزينًا، اختلطت فيه مشاعر الخوف بالدهشة، وتحولت فيه سماء العريش إلى مشهد قاتم يغطيه الدخان والضباب، حتى بدا النهار وكأنه ليل دامس.

ورغم قسوة الهزيمة، شهدت سيناء واحدة من أعظم صور التلاحم الوطني بين الشعب وقواته المسلحة. فمع الساعات الأولى للأحداث، فتحت بيوت العريش ومدن وقرى سيناء أبوابها لاستقبال أبناء القوات المسلحة المصرية من ضباط وجنود ومقاتلين، وتحولت المنازل البسيطة إلى ملاجئ آمنة ومستشفيات ميدانية ومراكز للرعاية والحماية.

بيوت سيناء

وكان من بين تلك البيوت منزل أسرتنا بالعريش، الذي ما زال قائمًا حتى اليوم شاهدًا على تلك الأيام العصيبة. لم يكن مجرد بيت يأوي أسرة، بل كان جزءًا من منظومة وطنية شعبية واسعة، شارك فيها أبناء سيناء جميعًا، كل بما يستطيع، دفاعًا عن الوطن ووفاءً لأبنائه من المقاتلين.

كانت الأسر السيناوية تستقبل الجنود باعتبارهم أبناءها. تضمد جراحهم، وتوفر لهم الطعام والمأوى، وتسهر على راحتهم، وتبذل كل ما تستطيع من أجل حمايتهم وتأمينهم حتى يتمكنوا من العودة سالمين إلى الضفة الغربية لقناة السويس.

ولم يكن هذا الدور مقتصرًا على الرجال فقط، بل شاركت فيه الأسرة السيناوية بأكملها. فقد أدرك الجميع حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم. كان الآباء يتحركون بشجاعة وإقدام، بينما تولت الأمهات والجدات تنظيم الأدوار داخل البيوت، وتوزيع المهام على أفراد الأسرة في سرية تامة، حفاظًا على أرواح الجنود والمقاتلين.

لقد تعلمنا منذ الصغر أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل شرف وهوية وانتماء. لذلك ظل أبناء سيناء أوفياء لأرضهم، متمسكين بها، مدركين أن حماية الوطن مسؤولية لا تسقط مهما اشتدت المحن وتعاظمت التضحيات.

سنوات الاحتلال

ومن المشاهد التي لا تغيب عن ذاكرتي، ارتداء الجدات والأمهات السواد إعلانًا للحزن على الوطن والشهداء، بينما كان الآباء والأجداد يرتدون الجلابيب البيضاء وكأنهم يحملون أكفانهم بأيديهم، مستعدين للتضحية دفاعًا عن الأرض والكرامة.

لقد عاشت سيناء سنوات الاحتلال بكل ما حملته من معاناة وقسوة، لكنها لم تنكسر. وظل أبناؤها سندًا لقواتهم المسلحة خلال سنوات حرب الاستنزاف، حتى أشرقت شمس النصر العظيم في أكتوبر 1973، وعادت الأرض إلى حضن الوطن.

إن ما شهدته بيوت سيناء في يونيو 1967 لم يكن مجرد مواقف عابرة، بل كان ملحمة وطنية حقيقية جسدت أسمى معاني الانتماء والوفاء. وهي صفحات مضيئة من تاريخ مصر تستحق أن تُروى للأجيال الجديدة حتى تدرك حجم التضحيات التي بذلها أبناء هذا الوطن دفاعًا عن أرضه وكرامته.

وفي ذكرى الخامس من يونيو، نستدعي تلك المشاهد لا لنبكي الهزيمة، بل لنستحضر قوة الصمود وإرادة البقاء، ولنتذكر أن من رحم المعاناة وُلدت المقاومة، ومن قلب المحنة خرج الأمل، ومن أرض سيناء انطلقت حكايات البطولة التي مهدت لطريق النصر.

الإعلامية والكاتبة د. سهام عزالدين جبريل

 

"منزل أسرة الكاتبة بمدينة العريش، أحد البيوت السيناوية التي عاصرت نكسة يونيو 1967 وسنوات الاحتلال، وشهدت مواقف وطنية وإنسانية جسدت تلاحم أبناء سيناء مع قواتهم المسلحة."
“منزل أسرة الكاتبة بمدينة العريش، أحد البيوت السيناوية التي عاصرت نكسة يونيو 1967 وسنوات الاحتلال، وشهدت مواقف وطنية وإنسانية جسدت تلاحم أبناء سيناء مع قواتهم المسلحة.”

“منزل أسرة الكاتبة بمدينة العريش، أحد البيوت السيناوية التي عاصرت نكسة يونيو 1967 وسنوات الاحتلال، وشهدت مواقف وطنية وإنسانية جسدت تلاحم أبناء سيناء مع قواتهم المسلحة.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى