النقعة في البحرين.. موسم شعبي كانت تتوقف فيه الحياة انتظارًا لعودة غواصي اللؤلؤ
أسماء صبحي – قبل اكتشاف النفط وتغير ملامح الحياة الاقتصادية في الخليج، كان اللؤلؤ يمثل مصدر الرزق الرئيسي لآلاف الأسر في البحرين. ومن رحم هذه المهنة ولدت عشرات العادات والتقاليد ومن أبرزها عادة “النقعة في البحرين”. وهي واحدة من الطقوس الاجتماعية التي ارتبطت بمواسم الغوص على اللؤلؤ وشكلت جزءًا مهمًا من الذاكرة الشعبية البحرينية.
وكانت النقعة تعني المكان الذي ترسو فيه سفن الغوص عند عودتها من رحلات البحث عن اللؤلؤ. لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى مناسبة اجتماعية ينتظرها الأهالي بشغف كبير،د لما تحمله من مشاعر الفرح والترقب واللقاء بعد أشهر طويلة من الغياب.
النقعة في البحرين
كانت رحلات الغوص تستمر لأشهر متواصلة في أعماق الخليج العربي. حيث يغادر البحارة والغواصون منازلهم بحثًا عن اللؤلؤ الذي كان يوصف آنذاك بـ”الذهب الأبيض”. وخلال فترة الغياب الطويلة، كانت العائلات تترقب موعد العودة وعندما تقترب السفن من الشواطئ تنتشر الأخبار سريعًا بين الأهالي. ليتجمع الرجال والنساء والأطفال في مناطق النقعة لاستقبال أبنائهم وأقاربهم.
وكان هذا المشهد يمثل لحظة استثنائية في حياة المجتمع البحريني. حيث تختلط مشاعر الفرح بالاطمئنان بعد رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر.
احتفال شعبي على الشاطئ
لم تكن العودة مجرد حدث عائلي بل كانت مناسبة اجتماعية واسعة النطاق. فمع رسو السفن تبدأ مراسم الترحيب وتتعالى الزغاريد والأهازيج الشعبية بينما يتبادل الأهالي التهاني بسلامة البحارة. وفي بعض المناطق كانت تقام تجمعات احتفالية يشارك فيها سكان الحي أو القرية بالكامل. احتفاءً بعودة الغواصين الذين أمضوا أشهرًا بعيدًا عن أسرهم في ظروف بحرية صعبة.
اللؤلؤ وصناعة الهوية البحرينية
يرى مؤرخون أن أهمية النقعة لا تنبع من كونها مكانًا لرسو السفن فقط. بل لأنها تعكس مرحلة تاريخية شكلت هوية البحرين الاقتصادية والاجتماعية.
فقد كانت تجارة اللؤلؤ لعقود طويلة العمود الفقري للاقتصاد المحلي، وأسهمت في بناء علاقات تجارية واسعة مع أسواق آسيا وأوروبا. ومن هنا ارتبطت حياة الناس بمواسم الغوص وظهرت عادات اجتماعية عديدة كان أبرزها انتظار العودة إلى النقعة.
إحياء التراث للأجيال الجديدة
رغم انتهاء عصر اللؤلؤ التجاري التقليدي بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي واكتشاف النفط. فإن البحرين ما زالت تحافظ على هذا التراث من خلال المهرجانات الثقافية والفعاليات التراثية التي تستعيد أجواء الغوص والعودة إلى النقعة.
كما تعمل المؤسسات الثقافية والمتاحف على توثيق هذه المرحلة التاريخية وتعريف الأجيال الجديدة بالدور الذي لعبه الغواصون والبحارة في بناء المجتمع البحريني.
ذاكرة بحر لا تغيب
تمثل النقعة في البحرين أكثر من مجرد موقع بحري؛ فهي قصة مجتمع كامل عاش على إيقاع البحر وانتظر أبناءه العائدين من رحلات طويلة بحثًا عن الرزق. وبين أصوات البحارة وأهازيج الاستقبال بقيت هذه العادة شاهدًا على حقبة صنعت جانبًا مهمًا من تاريخ البحرين وتراثها الثقافي.



