لطفي جاد الله.. القائد الذي أغرق إيلات وكتب أول انتصار بعد النكسة

في مساء الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1967، ساد الهدوء مياه البحر المتوسط قبالة مدينة بورسعيد، بينما كانت مصر تعيش واحدة من أصعب فترات تاريخها بعد نكسة يونيو. وفي تلك الليلة، وقف النقيب لطفي جاد الله على متن اللنش الصاروخي المصري رقم 501، يراقب الأفق المظلم وهو يدرك أن الساعات المقبلة قد تحمل حدثا يغير مجرى الصراع في المنطقة.
من هو لطفي جاد الله
نشأ لطفي جاد الله على حب البحر والخدمة العسكرية، فالتحق بالكلية البحرية وتخرج ضابطا عرف بين زملائه بالانضباط والكفاءة والهدوء تحت الضغط. وعندما بدأت القوات البحرية المصرية في إدخال اللنشات الصاروخية الحديثة إلى الخدمة، اختارته القيادة ضمن مجموعة من الضباط للسفر إلى الاتحاد السوفييتي، حيث تلقى تدريبات متقدمة على تشغيل وقيادة لنشات كومار المزودة بصواريخ ستيكس البحرية.
عاد إلى مصر وهو يؤمن بأن الإرادة والتخطيط الجيد قادران على تغيير موازين القوى، حتى في أصعب الظروف. وبعد نكسة يونيو، بدأت المدمرة الإسرائيلية إيلات تقترب من المياه المصرية في استعراض واضح للقوة، مستفيدة من تفوقها التسليحي وحجمها الكبير مقارنة بالقطع البحرية المصرية الصغيرة.
ورأت القيادة البحرية المصرية أن الوقت قد حان للرد على هذه الاستفزازات، فوضعت خطة جريئة لاستهداف المدمرة وإثبات قدرة القوات البحرية على توجيه ضربة مؤثرة للعدو.
وفي مساء الحادي والعشرين من أكتوبر انطلقت اللنشات الصاروخية المصرية لتنفيذ المهمة. وتمكن اللنش 504 من إطلاق صاروخين أصابا المدمرة إصابات مباشرة وأشعلا النيران في أجزاء واسعة منها، لكن السفينة ظلت طافية فوق سطح البحر رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها.
عندها جاء دور اللنش 501 بقيادة النقيب لطفي جاد الله. ورغم إدراكه أن عنصر المفاجأة لم يعد قائما وأن العدو أصبح في حالة استنفار كامل، فإنه واصل التقدم بثبات نحو الهدف.
ومع اقتراب اللنش من مدى الإطلاق المناسب، أصدر لطفي جاد الله أوامره بإطلاق الصواريخ. انطلق الصاروخ الأول بسرعة هائلة نحو المدمرة، ثم تبعه الصاروخ الثاني بعد لحظات قليلة، لتتعرض السفينة لضربات قاتلة أنهت قدرتها على البقاء.
وخلال دقائق بدأت إيلات تميل تدريجيا وسط ألسنة اللهب والدخان، قبل أن تغرق في أعماق البحر المتوسط، لتنتهي بذلك واحدة من أشهر المعارك البحرية في التاريخ الحديث.
ولم تتوقف المهمة عند هذا الحد، إذ تحركت وحدات معادية لمحاولة ملاحقة اللنش المصري والانتقام منه، لكن لطفي جاد الله اعتمد على خبرته الكبيرة في المناورة البحرية، واستطاع قيادة اللنش بسرعات عالية حتى عاد بطاقمه سالما إلى قواعده.
واستقبل المصريون نبأ إغراق إيلات بفرحة كبيرة، لأن العملية مثلت أول انتصار عسكري كبير بعد نكسة يونيو، وأعادت الثقة إلى الشعب والقوات المسلحة، وأكدت أن الهزيمة لم تكن نهاية الطريق.
كما أحدثت المعركة تحولا مهما في الفكر العسكري البحري حول العالم، إذ سجلت لأول مرة نجاح لنش صاروخي صغير في إغراق مدمرة حربية كبيرة باستخدام صواريخ مضادة للسفن. ومنذ ذلك اليوم بدأت العديد من الدول في إعادة تقييم استراتيجيات القتال البحري وتطوير قدراتها الصاروخية.
وواصل لطفي جاد الله مسيرته العسكرية بعد هذا الإنجاز التاريخي، وشارك في دعم وتطوير القوات البحرية المصرية خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، ثم تدرج في المناصب حتى وصل إلى رتبة لواء بحري، وظل مثالا للقائد الذي جمع بين الكفاءة المهنية والشجاعة والتواضع.
وتقديرا لدوره الوطني الكبير، حملت إحدى قاطرات هيئة قناة السويس اسمه عام 2020، ليبقى حاضرا في ذاكرة الأجيال الجديدة باعتباره واحدا من الرجال الذين أعادوا الثقة إلى المصريين في لحظة كانت البلاد تحتاج فيها إلى الأمل والانتصار.
لقد ارتبط اسم لطفي جاد الله بواحدة من أهم العمليات العسكرية في تاريخ مصر الحديث، وأثبت من خلال قيادته لمعركة إغراق إيلات أن الشجاعة والتخطيط والإيمان بالوطن قادرة على صناعة الإنجازات الكبرى. ولهذا سيظل اسمه محفورا في سجل أبطال البحرية المصرية، وستبقى تلك الليلة الخالدة شاهدة على رجل قاد لنشا صغيرا ليصنع نصرا هز العالم بأسره.



