تاريخ ومزارات

جرير والفرزدق: صراع الالسنة الذي هز ميادين العرب قديمًا

يظهر التنافس على التأثير في الراي العام اليوم بشكل لا تخطئه عين، بداية من المشاهير على وسائل التواصل الاجتماعي وصولا الى الشبكات الاعلامية الكبرى، حيث يتحول التأثير في الفضاء العام الى هدف ذهبي لاصحاب المشاريع والافكار والايديولوجيات، ويستغل بعضهم الهجوم الاعلامي وصناعة الاكاذيب ليصنع صورة هجائية حديثة تعيد الى الاذهان فنونا قديمة ولكن بوسائل جديدة.

قصة جرير والفرزدق

عبر التاريخ استعملت السلطة والمجتمع الشعراء كادوات اعلامية شهيرة، فكانوا صوت القبائل والمدافع الاول عنها، وكانوا يهجون الخصوم ويمجدون من يتبعونهم، وفي هذا السياق يلمع اسما جرير والفرزدق، وهما اشهر من حمل لواء النقائض ذلك الفن الشعري الذي جمع الهجاء والانتقاص والتفاخر، وترك اثرا واسعا لا يزال محفوظا في الذاكرة العربية.

عاش الرجلان في القرن الاول الهجري وبعض القرن الثاني بالبصرة جنوب العراق، هذه المدينة التي امتلأت بالحركات السياسية والصراعات الفكرية والعصبيات القبلية في ظل الدولة الاموية، وبين قبائل تزداحم على المكانة والسيادة وتستعيد امجاد الماضي، وجد الناس متنفسا في المنافسات والحوارات، وبرز سوق المربد كمنبر اعلامي مفتوح يرفع الشعر ويجعله عنوانا للهوية والصراع.

الادباء ذكروا ان اشعر اهل الاسلام كانوا  ومعهم الاخطل، لانهم امسكوا بمفاتيح المديح والهجاء ورفعوا اقواما وخفضوا اخرين، وردوا على من هجاهم وافحموا خصومهم، ورأى بعضهم ان جرير يغرف من بحر بينما ينحت الفرزدق من صخر، والبحر اوسع واغزر.

جاء الفرزدق من بيت تميمي عريق حمل امجادا واسعة، وكان يعتد بقبيلته اعتدادا كبيرا، وتشبعت نفسه بصفات الجاهلية من العصبية والغلظة وشرب الخمر، وظل بعيدا عن قصر الامويين طويلا، وكان يرى نفسه في مرتبة لا تقل عنهم شرفا، بينما جاء جرير من بيت اقل مكانة لكنه ورث قوة الشعر واجاد الهجاء والرد على عشرات الشعراء، واشتهر بمدح الحجاج ثم عبدالملك بن مروان وابنائه، ورسم في شعره صورة سياسية تدافع عن الخلافة الاموية وتهاجم خصومها.

اشتهرا بهجاء لا يلين، فكان جرير يرد على خصمه بقسوة وسخرية، وهجا بني حنيفة وبني نمير حتى صارت بعض قصائده امثالا بين الناس، واشتهرت الدامغة التي لم يستطع احد الرد عليها، بينما رد الفرزدق ببيت رآه بعض النقاد اهجى بيت في الشعر العربي، وكان صراعهما ممتدا لاكثر من خمسين عاما.

تفاوتت الروايات حول من هو الاشعر، فمرة رجح النقاد جرير ومرة مالوا للفرزدق، ورأى بعضهم ان الاخطل يتقدمهما في جانب لكنه لا يساوي صراعهما وقوتهما، ورجح البعض شعر جرير في المدح والهجاء، بينما رأوا الفرزدق اقوى في الفخر وتمجيد القبيلة.

عرف الناس ان الفرزدق شديد النفس خشن الطباع بعيد عن رقة الغزل، بينما اشتهر جرير بالعفة رغم قسوته في الهجاء، وكان سريع التأثر اذا رأى جنازة او سمع بكاء، ويقول انه لم يبدأ الهجاء يوما لكنه يرد اذا بدأه غيره.

بعد عمر طويل في ميادين الشعر توفي الفرزدق عام مئة واربع عشرة، فبكى جرير رغم خصومته الطويلة معه، ورثاه بقصائد مؤثرة، وقال انه يشعر بقرب اجله لان حياة الندين المتصارعين لا تطول بفارق كبير، وصدق حدسه فلم يلبث ان لحق به بعد سنوات قليلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى