حوارات و تقارير

حرب العاشر من رمضان.. كيف استعدت الدولة لمعركة التحرير؟

أسماء صبحي – تحتفل مصر وقواتها المسلحة بذكرى العاشر من رمضان، ذلك اليوم الخالد الذي سطره جيل أكتوبر بدمائه وتضحياته، فاستعاد الأرض وصان الكرامة وأعاد للوطن مكانته بين الأمم. فلم يكن هذا النصر مجرد معركة عسكرية ناجحة، بل كان لحظة فارقة في تاريخ الدولة المصرية تجسدت فيها وحدة الشعب مع جيشه. وتلاحمت فيها الإرادة السياسية مع القدرة العسكرية، ليولد فجر جديد أعاد الثقة والاعتزاز لكل مصري وعربي.

يمثل العاشر من رمضان علامة مضيئة في سجل الانتصارات العسكرية المصرية.ودليلاً حيًا على أن قوة الإرادة قادرة على تغيير موازين القوى مهما بدت التحديات صعبة. ففي هذا اليوم، أثبتت مصر أن العزيمة الصادقة والتخطيط الدقيق يمكنهما تحويل الحلم إلى حقيقة. وأن الدفاع عن الأرض والهوية هو مسؤولية أمة بأكملها لا جيش فقط.

نصر العاشر من رمضان

في العاشر من رمضان عام 1973، عبر آلاف الجنود المصريين قناة السويس في ملحمة بطولية أذهلت العالم، واستطاعوا تحطيم خط بارليف الذي كان يروج له باعتباره حصنًا لا يقهر. وكان ذلك العبور إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة استعادت فيها مصر زمام المبادرة وفرضت إرادتها بقوة السلاح والعقيدة.

لم يكن الهدف مجرد استعادة قطعة أرض، بل استعادة الكرامة الوطنية بعد سنوات من التحديات القاسية. وقد دفع الأبطال من أرواحهم ثمنًا غاليًا ليبقى الوطن مرفوع الرأس، فامتزجت دماؤهم برمال سيناء الطاهرة. لتصبح ذكرى العاشر من رمضان مصدر فخر وإلهام للأجيال المتعاقبة.

أعظم انتصارات العسكرية المصرية الحديثة

يعد هذا النصر أحد أبرز الإنجازات في تاريخ العسكرية المصرية المعاصرة. حيث تبارت فيه التشكيلات المختلفة والقيادات الميدانية في أداء واجبها بأعلى درجات الكفاءة والانضباط. لقد جسد هذا اليوم تلاحم القيادة مع الجنود، ووحدة الهدف بين كافة أفرع القوات المسلحة. في مشهد عكس احترافية المؤسسة العسكرية وقدرتها على خوض معركة معقدة وتحقيق نتائج حاسمة.

كما كان النصر رسالة واضحة بأن الأمة التي تؤمن بقضيتها وتستعد جيدًا لمعركتها قادرة على تجاوز أصعب الظروف. وقد أصبح هذا اليوم رمزًا للإصرار والعزة، ودرسًا خالدًا في أن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها مطالبون بها.

كيف استعدت الدولة للمعركة؟

لم يكن انتصار العاشر من رمضان وليد اللحظة، بل جاء نتيجة إعداد طويل وشامل شاركت فيه مؤسسات الدولة كافة، وساهم فيه الشعب قبل الجيش. فقد أدركت القيادة المصرية منذ اللحظة الأولى أن استعادة الأرض تحتاج إلى عمل منظم على جميع المستويات: السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والشعبية.

أولًا: الإعداد السياسي والدبلوماسي

بدأ التحرك السياسي المصري عقب نكسة يونيو 1967 مباشرة. حيث سعت الدولة إلى تحريك المجتمع الدولي وإبراز حقها المشروع في استعادة أراضيها. توجهت مصر إلى الأمم المتحدة والقوى الكبرى، وتمكنت من حشد دعم دولي واسع أدان العدوان وطالب بالانسحاب من الأراضي المحتلة.

صدر قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي نص على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، غير أن التعنت الإسرائيلي حال دون تنفيذه. وعلى الرغم من قبول مصر بعدة مبادرات سلمية آنذاك، فإن الرفض الإسرائيلي المتكرر أكد أن استعادة الأرض قد تتطلب خيارًا آخر.

في تلك المرحلة، تبنت الدول العربية في قمة الخرطوم شعارًا أصبح علامة فارقة: “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”. وعندما تولى الرئيس الراحل أنور السادات مسؤولية الحكم عام 1970، واصل التحرك السياسي بحنكة. فعمل على توحيد الصف العربي وتنسيق المواقف، وفي الوقت نفسه أدار تحركات دبلوماسية ذكية غطت على الاستعدادات العسكرية الجارية.

ثانيًا: الإعداد الحكومي وتنسيق مؤسسات الدولة

حرصت القيادة المصرية على تحقيق أعلى درجات التنسيق بين مؤسسات الدولة. فتم إنشاء مجلس الدفاع الوطني ليكون حلقة الوصل بين الجهات السيادية والوزارات المعنية. بهدف تسريع اتخاذ القرار وإزالة أي عقبات إدارية قد تعرقل الاستعداد للحرب.

ساهم هذا التنسيق في تحويل مؤسسات الدولة إلى منظومة عمل واحدة، تتكامل فيها الأدوار لخدمة الهدف الأكبر، وهو تحرير الأرض. لقد كانت الدولة بأكملها تعمل بروح المعركة، إدراكًا منها أن النصر يحتاج إلى جبهة داخلية قوية ومتماسكة.

ثالثًا: التحول إلى اقتصاد حرب

قبل اندلاع المعركة، أعادت مصر توجيه اقتصادها ليتماشى مع متطلبات المرحلة. فتمت تعبئة المصانع لتلبية احتياجات القوات المسلحة، وأُعطيت الأولوية للإنتاج المرتبط بالمجهود الحربي.

كما اتبعت الدولة سياسات ذكية لتأمين احتياطيات استراتيجية من السلع الأساسية دون إثارة انتباه العدو، فتم توفير مخزون يكفي لعدة أشهر، تحسبًا لأي ظروف طارئة. كان هذا التحول إلى “اقتصاد الحرب” خطوة حاسمة لضمان قدرة الدولة على الصمود خلال المواجهة.

رابعًا: إعادة بناء القوات المسلحة

شهدت السنوات التي سبقت الحرب عملية إعادة بناء شاملة للقوات المسلحة. فقد تم تشكيل قيادات جديدة، واستحداث تشكيلات ميدانية قوية، مع تطوير نظم التدريب لتواكب متطلبات المعركة الحديثة.

أقيمت تدريبات مكثفة على عبور الموانع المائية، وتم إنشاء نماذج تحاكي تحصينات العدو للتدريب على اقتحامها. كما جرى تحديث منظومة التسليح بإدخال دبابات ومدفعية وطائرات وصواريخ حديثة. إلى جانب تطوير معدات المهندسين العسكريين التي لعبت دورًا بارزًا في فتح الثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف.

ولم يقتصر الأمر على التسليح، بل شمل أيضًا إعدادًا نفسيًا ومعنويًا للجندي المصري، ليكون مستعدًا لتحمل أعباء المعركة. واحتفظت القوات المسلحة بعدد كبير من المجندين ذوي الخبرة لضمان الجاهزية الكاملة.

خطة الخداع الاستراتيجي

ضمن الاستعدادات، وضعت القيادة العسكرية خطة محكمة للخداع الاستراتيجي، استهدفت إرباك العدو وإقناعه بعدم جدية نية مصر في خوض الحرب. تم تنفيذ تدريبات متكررة ومناورات بدت روتينية، بينما كانت الاستعدادات الحقيقية تسير بوتيرة متسارعة في الخفاء.

أثمرت هذه الخطة عن عنصر المفاجأة الذي كان له أثر بالغ في نجاح الضربة الأولى. حيث تمكنت القوات المصرية من تحقيق تقدم سريع أربك حسابات العدو وأفشل توقعاته.

ذكرى خالدة ومصدر إلهام دائم

ستظل ذكرى العاشر من رمضان صفحة مشرقة في تاريخ مصر الحديث، تذكرنا دائمًا بأن الإرادة الوطنية إذا توحدت قادرة على صنع المعجزات. لقد صنع الأبطال بدمائهم نصرًا لا ينسى، وأثبتوا أن الدفاع عن الوطن أسمى معاني التضحية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى