اللواء دكتور راضي عبدالمعطي يكتب: شهر رمضان بين قيم الصيام وشراهة الاستهلاك
رمضان في جوهره مدرسة لضبط الشهوة لا لإطلاقها، ولإعادة ترتيب الأولويات لا لإرباكها. هو شهر الإحساس بالجائع، لا شهر استعراض الموائد العامرة بما لذّ وطاب. فكيف يستقيم أن يتحول الصيام الذي شُرع لتقليل التعلق بالماديات إلى موسم لزيادة الاستهلاك، ورفع معدلات الهدر، وإثقال كاهل الأسر بمصاريف إضافية لا طائل منها؟
هذا التهافت على شراء المواد التموينية لا يمكن تبريره بحاجة واقعية، بل هو انعكاس لثقافة استهلاكية متجذرة، تتغذى على الخوف المصطنع من النقص، وعلى وهم التخزين الاحترازي الذي يتجاوز حدود المعقول. يمتلئ كل بيت بما يفوق حاجته، وتتكدس المواد الغذائية في الخزائن والثلاجات، ثم ينتهي جزء غير قليل منها في سلة المهملات، في مفارقة صارخة بين قدسية الشهر وسلوكيات بعض أبنائه.
شهر رمضان، حيث يفترض أن تتراجع وتيرة الاستهلاك لا أن تتضخم، نفاجأ كل عام بمشهد معكوس تمامًا لجوهر الصيام. فالأصل أن الإنسان في الأيام العادية يتناول ثلاث وجبات رئيسية، بينما يقتصر الأمر في رمضان – من الناحية المنطقية – على وجبة إفطار رئيسية، مع سحور يظل خيارًا شخصيًا أو وجبة خفيفة في أحسن الأحوال. ومع ذلك، تتحول الأسواق قبيل الشهر الفضيل إلى ساحات سباق محموم، وكأننا مقدمون على حصار طويل لا على شهر عبادة وزهد وانضباط.
.
ويمثل شهر رمضان صراعًا مستمرًا بين المقاصد الروحانية التي تدعو للزهد والسمو النفسي، وبين الأنماط الاستهلاكية التي تحوّله إلى موسم اقتصادي بامتياز. حيث يهدف الصيام في جوهره إلى تحقيق تزكية النفس والارتقاء بها من خلال تهذيبها؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو تدريب على التحلي بالصبر والتسامح والسيطرة على الغضب والشهوات. إضافة إلى أنه يسهم في تحقيق التكافل الاجتماعي؛ فالشعور بآلام المحرومين ينمّي قيـم الكرم والإحسان والمبادرات المجتمعية ومساعدة المحتاجين، كما أن شهر رمضان يوفر فرصة للابتعاد عن صخب الحياة اليومية عبر قراءة القرآن والصلاة، مما يحقق صفاءً ذهنيًا ونفسيًا.
إن خطورة سلوكيات شراهة الاستهلاك ليس أثرها اقتصاديًا فقط، رغم أهميته، بل أثرها القيمي أيضًا. إذ ترسخ في الأذهان أن رمضان شهر أطعمة وحلويات وعروض تجارية، لا شهر عبادة ومراجعة للنفس. وتتبدل الأولويات من التحضير الروحي إلى التحضير التمويني، ومن تهيئة القلب إلى ملء السلال.
وكل ما سبق ليس بالطبع موجهًا لمن يشتري حاجته المعقولة، ولا لمن يستعد بما يكفيه وأهله بقدر متوازن، وإنما لمن يجعل من رمضان ذريعة للإفراط، ومن الخوف من الندرة مبررًا للتخمة. فلو التزم الناس بحدود الاستهلاك الطبيعي، لوجدوا أن رمضان – من حيث الحساب البسيط – شهر تقليل لا تكثير، وشهر اقتصاد لا إسراف.
وختامًا: رسالة من القلب إلى كل أبناء الوطن، والأهل، والأقارب، والأصدقاء، وكل من يريد أن يرسخ أن شهر رمضان هو فرصة لإعادة التوازن في أمور الحياة، في منظومة متكاملة تجمع بين القيم الروحانية، وتعظيم ثقافة القناعة والرضا، وترشيد الاستهلاك بالصورة التي تحقق قيمة مضافة في الدنيا والآخرة. لأن المبالغة في الإنفاق نقمة، والاعتدال نعمة يجب أن نعمل عليها ونسعـى لتنميتها وترسيخ قيمتها.
حفظ الله مصر، وحمى شعبها العظيم وقائدها الحكيم.



