حوارات و تقارير

العاشر من رمضان.. ملحمة العبور التي غيرت وجه التاريخ وأعادت الكبرياء للأمة

أسماء صبحي – في العاشر من رمضان عام 1393 هجريًا الموافق السادس من أكتوبر 1973، كتبت مصر صفحة مضيئة في سجل التاريخ العسكري الحديث خلال حرب أكتوبر. حين اندفع جنودها لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف الحصين، في معركة أعادت للأرض كرامتها وللأمة ثقتها بنفسها.

لم يكن ذلك النصر ضربة حظ أو مغامرة عسكرية عابرة، بل جاء نتيجة تخطيط استراتيجي دقيق استمر لسنوات. شارك فيه نخبة من القادة والخبراء العسكريين، إلى جانب إعداد شاق خضع له الجنود بكل فروع القوات المسلحة. وكان الهدف واضحًا تغيير واقع الهزيمة إلى واقع انتصار، وتحويل مشاعر الانكسار إلى طاقة كبرياء وثقة.

لقد غيرت الحرب موازين القوى في المنطقة، وأعادت رسم خريطة التوازنات الإقليمية والدولية. لتثبت أن الإرادة الوطنية قادرة على تجاوز المستحيل مهما بلغت التحديات.

الضربة الجوية في العاشر من رمضان

مع دقات الساعة الثانية ظهرًا، انطلقت شرارة المعركة بضربة جوية مركزة نفذتها أكثر من 200 طائرة مصرية عبرت القناة في توقيت واحد. في عملية دقيقة اتسمت بالسرية والصمت اللاسلكي الكامل لتفادي رصد العدو.

استهدفت الضربة مركز القيادة الرئيسي في منطقة “أم مرجم”، إلى جانب ضرب ممرات الإقلاع والهبوط في مطارات المليز وبير تمادا ورأس نصراني. فضلًا عن تدمير مواقع بطاريات صواريخ هوك، ومراكز المدفعية، ونقاط الحرب الإلكترونية. وأربكت هذه الضربة القيادة المعادية وأفقدتها توازنها في الساعات الأولى من القتال، ومهدت الطريق أمام باقي أفرع القوات لتنفيذ مهامها بنجاح.

وفي يوم 18 رمضان، تجلت بطولة نسور الجو في معركة المنصورة الجوية، التي استمرت أكثر من 50 دقيقة فوق سماء الدلتا. وأسفرت عن إسقاط 18 طائرة معادية رغم تفوقها العددي والنوعي، في واحدة من أطول وأشرس المعارك الجوية في التاريخ الحديث.

تمهيد نيراني غير مسبوق

بعد دقائق من انتهاء الضربة الجوية، انطلقت المدفعية المصرية في أكبر تمهيد نيراني عرفته الحروب الحديثة على طول الجبهة. وما يقرب من 2000 مدفع فتحت نيرانها بشكل متزامن، مستهدفة مراكز القيادة والسيطرة ومحطات الرادار وتحصينات العدو على الضفة الشرقية للقناة.

حطم هذا القصف المركز دفاعات الخصم وأربك خطوطه الخلفية، وخلق مظلة نارية كثيفة مكنت قوات المشاة من التقدم بأقل خسائر ممكنة. في مشهد عسكري اتسم بالدقة والتناغم بين مختلف الأسلحة.

عبور القناة

تحت غطاء المدفعية، انطلقت قوارب العبور محملة بعشرات الآلاف من الضباط والجنود، الذين عبروا إلى الضفة الشرقية وسط صيحات “الله أكبر” التي دوت في سماء المعركة. ولم تمضي ساعات حتى بدأت ملحمة تحطيم الساتر الترابي باستخدام مضخات المياه، في ابتكار هندسي عسكري أربك العدو.

وقبل نهاية اليوم الأول، كانت خمس فرق كاملة قد انتقلت إلى سيناء عبر الكباري العائمة التي أقامتها قوات المهندسين العسكريين. لتؤسس رؤوس كباري قوية ثبتت أقدام الجيش المصري شرق القناة، وأعلنت انهيار أسطورة خط بارليف.

الدفاع الجوي

كان لقوات الدفاع الجوي دور حاسم في حماية سماء المعركة. خلال يومي 6 و7 أكتوبرنجحت في إسقاط أكثر من 25 طائرة معادية. مما أجبر قيادة الطيران الإسرائيلي على إصدار أوامر بعدم الاقتراب من القناة لمسافة تقل عن 15 كيلومترًا.

وفي الأيام الثلاثة الأولى، فقد العدو أكثر من ثلث طائراته وعددًا من أمهر طياريه، وهو ما مثّل ضربة موجعة لقوته الجوية التي طالما اعتبرت عنصر التفوق الرئيسي لديه.

البحرية المصرية في العاشر من رمضان

لم يقتصر الإنجاز على الجبهة البرية والجوية، بل كان للبحرية المصرية دور محوري في المعركة. وانتشرت نحو 50 قطعة بحرية في البحرين المتوسط والأحمر، لتأمين السواحل، ودعم العمليات البرية، وتنفيذ مهام إبرار لعناصر القوات الخاصة على الساحل الشمالي لسيناء.

كما تمكنت القوات البحرية من إغلاق مضيق باب المندب، ما شكل ضغطًا استراتيجيًا على العدو، إضافة إلى تنفيذ عمليات إغارة على موانئ وأهداف ساحلية. في خطوة قطعت خطوط الإمداد وأربكت التحركات البحرية المعادية.

الصاعقة والمظلات

قدمت قوات المظلات والصاعقة نماذج بطولية خالدة. نجحت وحدات المظلات في تدمير مواقع مهمة في مضيقي متلا والجدي. ومنعت تقدم قوات العدو عبرهما، كما ساهمت في تأمين رؤوس الكباري شرق القناة.

أما مجموعات الصاعقة، فقد سطرت صفحات من الشجاعة، حيث تمكنت إحدى المجموعات خلال الساعات الأولى من تدمير عشرات الدبابات والعربات المدرعة. بينما نجحت مجموعة أخرى في محاصرة نقطة حصينة في لسان بورتوفيق وأسر عدد من جنود العدو والاستيلاء على معداتهم سليمة.

معارك خالدة صنعت التاريخ

شهدت الحرب عددًا من المعارك الفاصلة التي أكدت صلابة المقاتل المصري. من بينها معركة تبة الشجرة، ومعركة عيون موسى، ومعركة القنطرة شرق، ومعركة الفردان، ومعركة المزرعة الصينية، إضافة إلى معركة المنصورة الجوية.

كل معركة من هذه المعارك كانت فصلًا قائمًا بذاته في كتاب البطولة. وأسهمت في ترسيخ الانتصار وتثبيت أقدام القوات المصرية على الأرض المستعادة.

ذكرى لا تموت

تمر ذكرى العاشر من رمضان كل عام لتذكّرنا بأن ما تحقق لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان معجزة إرادة وعقيدة قتالية وروح وطنية عالية. رفع جيل أكتوبر راية الوطن على ترابه المقدس، وأعاد للعسكرية المصرية مكانتها وهيبتها.

سوف يظل هذا النصر خالدًا في وجدان المصريين، ودليلًا على أن الأمم التي تؤمن بحقها وتحسن الإعداد له. قادرة على تحويل المستحيل إلى حقيقة راسخة في صفحات التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى