بين القصرين من عرش الخلافة إلى ذاكرة الرواية سر المكان الذي لا يشيخ

في قلب القاهرة القديمة حيث تتشابك الأزقة وتتعانق المآذن مع القباب يمتد شارع المعز اليوم كأنه شريط من الذاكرة الحية مكان لا تمر به إلا وتشعر أن الجدران تحفظ الأسرار وأن الحجارة تعرف أكثر مما تقول.
قصة بين القصرين
هذا هو بين القصرين الاسم الذي صار عنوانا للأدب كما كان يوما عنوانا للسلطة مر نجيب محفوظ من هنا ورأى الوجوه والبيوت والحياة اليومية البسيطة فحوّل المكان إلى عالم روائي خالد لم يكن بين القصرين في ثلاثيته مجرد اسم بل كان روحا نابضة أسرة من الطبقة الوسطى وأحلام صغيرة تصطدم برياح السياسة وأحداث ثورة 1919 لكن الحكاية الحقيقية أقدم من محفوظ وأعمق من أي رواية.
تعود القصة إلى أكثر من ألف عام حين أرسل الخليفة الفاطمي المعز لدين الله قائده جوهر الصقلي لفتح مصر وبعد أن دخلها منتصرا قرر من الفسطاط أن يبني مدينة جديدة تكون عاصمة للدولة ومقرا للحكم مدينة تليق بخليفة عظيم فكانت القاهرة.
رسم جوهر الصقلي المدينة على هيئة مستطيل غير منتظم وأحاطها بسور ضخم له أبواب تحميها من الغزاة ولم يبق من هذه الأبواب حتى اليوم سوى باب النصر وباب الفتوح شمالا وباب زويلة جنوبا لكنها ما زالت شاهدة على زمن القوة والهيبة.
وفي قلب هذه المدينة الجديدة شيد جوهر قصرين عظيمين القصر الشرقي الكبير بناه للمعز نفسه وكان قصرا هائلا يضم خزائن السلاح والجواهر والكتب ومكتبة ضخمة تعد من مفاخر عصرها جمعت آلاف المخطوطات في مختلف العلوم والفنون وفي الجهة المقابلة أقام القصر الغربي الأصغر لابنه العزيز بالله.
وبين القصرين امتدت ساحة فسيحة أصبحت مسرحا للحياة الرسمية للدولة الفاطمية هناك خرجت المواكب الدينية والعسكرية وهناك كان الخليفة يوزع الصدقات في رمضان في مشهد مهيب ارتبط به المكان حتى ظل اسم المعز حاضرا في ذاكرة الشارع إلى اليوم.
في بداياته لم يكن هذا المكان لعامة الناس بل كان حكرا على الخلفاء وجندهم لكن الزمن لا يعرف الثبات توسعت المنطقة وظهرت مساكن الأمراء ودواوين الحكم ثم ازدهرت المدارس والمكتبات وأصبحت بين القصرين مقصدا للعلماء وطلاب العلم والتجار فتحولت من حي سلطاني مغلق إلى قلب نابض بالحياة.
لكن المجد لا يدوم طويلا جاءت الشدة المستنصرية فنهبت المكتبات وتفرقت الكنوز ثم سقطت الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي الذي اتخذ القصر الكبير مقرا مؤقتا قبل أن يبني قلعته فوق جبل المقطم ومع رحيله أهمل القصر وتغيرت ملامح المكان مرة أخرى.
شيئا فشيئا غلب الطابع التجاري على المنطقة تحولت الساحات إلى أسواق والدواوين إلى دكاكين وصار بين القصرين واحدا من أكبر أسواق الدنيا كما وصفه المقريزي وهنا نشأ خان الخليلي وسوق النحاسين ومسجد الحسين لتبدأ حكاية جديدة حكاية الناس البسطاء والحرفيين والتجار.
وهكذا تراكمت طبقات الزمن فوق المكان قصر فاطمي ثم مقر أيوبي ثم سوق صاخب ثم مسرح للرواية الحديثة تمشي اليوم في شارع المعز فتظنه مجرد طريق أثري لكنه في الحقيقة كتاب مفتوح كل حجر فيه صفحة وكل زاوية قصة وكل اسم ظل باقيا من زمن مضى.



