من الخيام إلى العرش كيف وُلدت دولة بني عثمان من قلب السهوب

في أعماق آسيا الوسطى حيث تمتد السهوب بلا نهاية وتعلو صهيل الخيول مع أناشيد الأسلاف عاشت قبيلة قايي إحدى أبرز قبائل الأوغوز التركمانية قبيلة اعتادت الترحال وحملت السيف كما حملت الخيمة وعرفت معنى البقاء في عالم لا يرحم الضعفاء.
كيف وُلدت دولة بني عثمان من قلب السهوب
في القرن الثالث عشر هبت العاصفة المغولية فاجتاحت الشرق بلا رحمة ودمرت المدن والقبائل ودَفعت الشعوب التركية دفعا نحو الغرب هربا من السيف والنار في تلك اللحظة التاريخية تحركت قبيلة قايي في رحلة طويلة قاسية عبر الجبال والسهول حتى بلغت الأناضول واستقرت تحت راية دولة سلاجقة الروم التي كانت تحكم المنطقة آنذاك.
قاد الرحلة زعيم القبيلة سليمان شاه أو غوندوز آلب حسب بعض الروايات لكنه لم يهنأ بالاستقرار طويلا فواصل المسير بحثا عن مراعي أوسع وأرض أكثر أمنا وعند عبوره نهر الفرات قرب قلعة جعبر غرق في مياهه المتدفقة في حادثة مأساوية وقعت عام 1227 أو 1236 ميلاديا فهزت القبيلة وغيّرت مصيرها إلى الأبد.
بعد هذه الفاجعة انقسمت القبيلة قسمين عاد فريق إلى الشرق بينما بقي الفريق الآخر في الأناضول بقيادة أرطغرل بن سليمان شاه رجل جمع بين الشجاعة والحكمة وعُرف بلقب الغازي لم يمتلك أرطغرل سوى بضع مئات من الخيام وعدد محدود من الفرسان لكنه امتلك رؤية واضحة فاختار التحالف مع سلاجقة الروم وخاض تحت رايتهم معارك شرسة ضد البيزنطيين على الثغور الغربية.
كافأه السلطان علاء الدين كيقباد بمنحه إقطاعية حدودية صغيرة في سوغوت ودومنيتش منتصف القرن الثالث عشر فتحولت هذه الأرض المتواضعة إلى نواة حلم كبير وواصل أرطغرل توسيع نفوذه وحماية الحدود حتى وفاته عام 1281 ميلاديا ليخلفه ابنه عثمان بن أرطغرل.
تولى عثمان القيادة وهو في مقتبل العمر ورث أرضا محدودة وقوة صغيرة لكنه ورث أيضا روح الغزو والطموح في تلك الفترة كانت دولة السلاجقة تتفكك بعد هزيمتها أمام المغول في معركة كوسه داغ وأصبحت السلطة الحقيقية في يد الإيلخانيين فاستغل عثمان هذا الفراغ السياسي وأعلن استقلال إمارته عام 1299 ميلاديا وهو التاريخ الرمزي لقيام الدولة العثمانية.
بدأ عثمان بتوحيد الإمارات التركمانية المجاورة مستخدما السياسة حين تنفع والسيف حين يُفرض الأمر ووجّه ضرباته نحو الإمبراطورية البيزنطية المنهكة ففتح بيلجيك ويني شهير وحقق انتصارات حاسمة أبرزها معركة بافيوس عام 1301 أو 1302 ميلاديا وبنى نواة جيش يعتمد على فرسان الغزاة الذين حملوا عقيدة الفتح والدفاع.
عند وفاة عثمان عام 1326 ميلاديا كانت إمارته قد تحولت إلى قوة حقيقية في شمال غرب الأناضول وتولى من بعده ابنه أورخان الذي فتح بورصة وجعلها عاصمة للدولة ثم جاء مراد الأول فعبر إلى أوروبا وفتح أدرنة عام 1361 ميلاديا لتبدأ مرحلة التوسع في البلقان.
واصل مراد الثاني المسيرة فصد الحملات الصليبية ورسخ أركان الدولة حتى وفاته عام 1451 ميلاديا ممهدًا الطريق لفتح القسطنطينية خلال هذه المرحلة التأسيسية تحولت قبيلة صغيرة تعيش في الخيام إلى دولة ذات جيش نظامي وإدارة قوية ووحدة سياسية امتدت من الأناضول إلى قلب أوروبا.



