كنيسة سيدة الريح في أنفة حكاية البحر والإيمان العميق

في بلدة أنفة الواقعة على الساحل اللبناني الشمالي تقف كنيسة سيدة الريح شاهدة على تاريخ طويل، حيث تعد من أقدم الكنائس المكرسة لمريم العذراء في الشرق، وقد بنيت في الحقبة البيزنطية فوق الشاطئ عند رأس القلعة المطلة على البحر، ويقال إن المؤرخ العربي شمس الدين الأنصاري الدمشقي أشار إليها باعتبارها أول بيت أقيم باسم مريم في بلاد الشام.
آثار بيزنطية وفسيفساء نادرة
شيدت الكنيسة فوق أنقاض كنيسة بيزنطية قديمة، وزينت أرضها بلوحات فسيفسائية بقيت بعض أجزائها حتى اليوم داخلها وخارجها، لتكون شاهدة على جمال الفن الديني في تلك الحقبة وعلى تواصل التراث الروحي والفني عبر القرون.
سر التسمية وحماية البحارة
يروي أهل أنفة أن البحارة والصيادين هم من أطلقوا على الكنيسة اسم سيدة الريح، إذ آمنوا بأن شفاعة العذراء تحميهم من أخطار البحر وعواصفه، فكانت الكنيسة بالنسبة لهم حصن أمان ومرجع رجاء في كل رحلة يقطعونها وسط الأمواج.
جداريات تحكي التراث الكنسي
تعرضت الكنيسة للتخريب مرات عدة عبر التاريخ، لكنها احتفظت بجداريات فريدة تحمل رموزا مسيحية مهمة، من بينها صورة المسيح، وجداريـة مميزة للعذراء وهي تهدئ العاصفة، وأخرى للرسل الاثني عشر، إضافة إلى جداريتين للقديسين جاورجيوس وديمتريوس، مما يجعلها متحفا مفتوحا للروحانية والفن في آن واحد.
رحلة الترميم وإحياء الذاكرة
منذ عام 2011 بدأت أعمال ترميم واسعة للكنيسة بجهد مشترك بين جامعة البلمند في لبنان وجامعة فارزوفي في بولندا، وذلك بهدف الحفاظ على التراث المعماري والفني وإعادة الحياة إلى جدران الكنيسة التي بقيت شاهدة على إيمان أهل أنفة.
أيقونة والدة الإله سيدة الريح
تحمل الأيقونة المكرسة للعذراء رمزية عميقة، إذ يظهر المسيح وهو يبارك البحارة الذين يجاهدون وسط الأمواج، فيما تقف مريم إلى جانب الكنيسة رافعة يدها اليسرى متضرعة إلى ابنها، وبيدها اليمنى تصد العاصفة لتحمي البشر، وتبدو الأمواج في الأيقونة بألوان سماوية وبحرية غنية، يزينها حضور الأسماك التي تحمل دلالات روحية في التراث الكنسي.
رمز خالد للحماية والمحبة
تبقى كنيسة سيدة الريح أكثر من مجرد بناء أثري، فهي رمز حي لشفاعة العذراء في حياة الناس، وذاكرة إيمانية عميقة تشهد على ارتباط أهالي أنفة بالبحر وبأمهم الحامية مريم، التي يرون فيها ملجأهم من الريح والأمواج، وشريكتهم الأبدية في رحلة الحياة.



