الكاتب محمد ابراهيم الشقيفي يكتب :رونق الآثار وإبداع طلال
الشعب المصري واعي ومثقف من منطلق فطرته الطيبة. يعرف معنى الأصالة والعراقة، يعشق التاريخ.يريد أن يعبر للعالم عن عظمة حضارة الأجداد. لكن ينقصنا أن نحاكي بعضنا البعض بلغة شفرتها قد حيرت علماء العصر. ومن يرغب فى فك رموزها المنقوشة على جدران المعابد.
الحاجة دائماً هى أم الاختراع حتى نخترق الحواجز الصماء فى كافة المجالات. لكن بصفة خاصة نجد الأمر مختلفاً عند عشاق الآثار. لديهم كاريزما غريبة وشغف هو بالأحرى يشبه عجائب صنع الأهرامات .
نحن بصدد حالة استثنائية. فى كل شىء من النشأة حتى الممات. نقف أمام عالم الأثريات. والحفائر بالفطرة. قد اكتسب مهاراته بالخبرة.
علم قدر الحضارة. وعرف أنها الإرث التاريخي الممتد لثقافة الأجيال الحاضرة.
ذاع صيته بعدما أسهم بدور كبير فى اكتشاف و ترميم الآثار الفرعونية. والإسلامية.والقبطية، والرومانية، واليونانية فى صعيد القطر المصري بأكمله.
رجل صعيدي المنشأ ينتمي إلى عائلة لها باع طويل فى عشق هذا اللون ذي العمق الأثرى ذي الملامح والبشرة المتأثرة بحرارة الشمس. وغبار الصحراء. صاحب اللقب المميز. إنه الحارس الأمين على روح التاريخ. الأسطورة محمد عبده محمد الكريتي الشهير بالريس طلال… بدأ الشغف يحتوي على صمام أمان تفكيره ويحتضن عقله الحاضر مفاتيح سرداب الماضي. يعشق الحفائر والنقش. لقد تتبع خطا أثره علماء لهم ثقل في هذا المجال. نذكر منهم على سبيل المثال. الدكتور (سليم حسن) أثناء عمله بمنطقة سقارة. والدكتور( أحمد فخري) أثناء عمله في دهشور، وعالم الآثار الانجليزي( والتر بي أمري) .
تاريخ مشرف حافل بالعديد من الاكتشافات التي ألقت الضوء على الحضارة المصرية بمختلف صورها. ولا بد أن نلقى بظلال الضوء على إسهاماته فى بلد المنشأ مع البعثة التشيكية بقيادة عالم الآثار التشيكي (ميروسلاف فرنر). في العديد من الاكتشافات ذي الطابع الهندسي المعماري كهرم الملك نفر اف رع بأبوصير. وكذلك أرشيف أوراق البردي الخاص بالهرم.
يملك طلال موهبة فريدة وحتماً تحتاج إلى كتاب مفهرس نسترشد منه على الاكتشافات التى تشبه الخيالية فى المجال العلمى.لكننا أمام حالة متكاملة وليست خرافية واقع ملموس من الاكتشافات الأثرية مثل. المساهمة الفعالة فى إكتشاف رأس تمثال الملك نفر اف رع الشهيرة الموجودة الآن بالمتحف المصري بالتحرير.والذى يعانق فيها الصقر حورس رأس الملك من الخلف، وأيضاً هرم الملكة خنتكاوس الثانية بمنطقة أبوصير، وأرشيف أوراق البردي الخاص بها. كذلك اكتشاف هرم شبسس كا رع الناقص بأبوصير ، ثم مرورا بمقبرة الطبيب قار بأبوصير. ومقبرة إنتي وسنجم إيب، وكذلك مقبرة وجا حور رسنت، ومقبرة إيوف – عا بمنطقة بأبوصير.
إننا أمام كم هائل من المعلومات يصعب الحديث عنها في توقيت واحد والأخطر من ذلك البحث بشغف الاكتشاف. حتى يتعرف العالم على حضارة عريقة. فقد اكتشف مقبرة نخب-إيب-نكاو ومقبرة فتتكا. والاهرامات الغير مكتملة بمنطقة أبوصير. وقام بمجهود لم يسبق له مثيل فى رفع الأحجار الضخمة من طريق ساحور رع. ليمكن الأثريين من دخول الهرم ساحور رع..
نعود إلى سيرة العظماء هذا العبقري له صولات وجولات أثناء عمله بمنطقة اثار سقارة. فقد قام بالكشف عن العديد من المقابر.. مثل مجموعة الملكة إيبوت زوجة الملك تتي مع الدكتور( زاهي حواس). كما اكتشف مقبرة مقبرة نكاو اسسي بسقارة مع الدكتور( محمود عبد الرازق) ، وكذلك مقبرة وجا حور بسقارة مع الدكتور( زاهي حواس) ، وساهم في ترميم ورفع الأحجار الضخمة بمدخل هرم الملك وسر كا إف. عمل الريس طلال بالمجموعة الهرمية للملك زوسر مع عالم الآثار الفرنسي( جان فليب لوير). كذلك عمل بدير الانبا أرميا بسقارة، وايضاً اكتشف السرابيوم الجديد مع وزير الآثار الأسبق الدكتور( محمد ابراهيم) .
الكل يبحث عن رجل محل ثقة ليعمل مع البعثة اليابانية والفرنسية بقيادة كلا من الدكتور( شيمورا) والدكتور( كواي) اكتشف الريس طلال مقبرة كا ام مسو بسقارة. والطبيب إي مري بشمال سقارة. قد طاف مصر شرقاً وغرباً، عمل بمعبد الوادي الخاص بالملك اوناس. وبعثة متحف اللوفر بقيادة الدكتور (كرستيان زيجلير). وكذلك مع البعثة الاسترالية مع الدكتور= نجيب قنواتي). العمل مع البعثة الإيطالية بمقبرة باك-رن-إف مع الدكتور( إيدا برشياني) ، كذلك قام باكتشاف مقبرة نخب-إيب-نكاو بشمال سقارة مع الدكتور( محمد ابراهيم بكر) رئيس مصلحة الأثار سابقا. كما عمل أيضاً مع الدكتور( أحمد قدري) رئيس مصلحة الأثار سابقا والدكتور( أحمد موسى) مدير منطقة سقارة السابق. أثبت ذاته، ثم ترك فى نفوسنا بصمة واضحة المعالم. على أرض الواقع بمتحف أيمحتب بسقاره بعد أن اكتشف قدر به جبنة مخزنة بأيدي المصري القديم .
الأهم من كل هذا وذاك ثقافته الفرعونيةوكيفية التعامل معها بل. وتمكنه من قراءة الهيروغليفية ترجمتها. يظل على عرش القمة، يبقى بين أبناء جيله. يتسابق مع علماء الآثار لترجمة أسماء وألقاب ووظائف صاحب المقبرة.كما اشتهر أيضاً بمعرفته لتخطيط المقبرة. ومكوناتها، وما تحتويه، وذلك قبل البدء في أعمال الحفر، وكل هذه الخبرات إكتسبها بفضل عمله مع اشهر علماء الأثار علي مستوي العالم. كل هذا السرد القصصي كان جديراً لاختياره بالاسم من قبل البعثات العالمية ليكون على رأس مشرفي الحائر.لما له من خبرة واسعة في نقل التوابيت والمسلات دون الاعتماد على أدوات الرفع الحديثة التي تستخدمها شركات المقاولات. فقد استخدم الأدوات البسيطة التي استخدمها المصري القديم في نقل مثل هذه القطع الضخمة.
الحارس الأمين الذى شارك في نقل تابوت حاكم الواحات البحرية.والذي يدعي خنسو في ساعة واحدة فقط رغم ضخامته.وهو ما نال إعجاب كل الحاضرين من المصريين وعلي رأسهم عالم الآثار الدكتور( حواس) كما ساهم في رفع التابوت الضخم في مقبرة إيوف – عا بابوصير. حيث تمكن من رفع الغطاء الضخم رغم صعوبة ذلك. نحن بصدد حالة عطاء وعشق يصعب معها تحديد هوية بحر المعشوق الذى يحتوى على درر الوجود، لكن قد حددنا هوية العاشق بسحب الجمال .
ومن اروع أعمال الريس طلال نقل تابوت قويسنا بالمنوفية، حيث تم تكليفه أثناء الاحتفال بمئوية المتحف المصري بالتحرير بإحضار تابوت قويسنا. والذي بائت محاولات مشرفي الحفائر بالفشل فى محاولة نقله، مما دفع البروفيسور (حواس) بإسناد الأمر الهام لطلال حيث استطاع باستخدام الزلاجات الخشبية. والدرافيل تحريك التابوت، ووضعه على كساحة.و نقله للقاهرة في زمن قياسي.
ومن بين أعماله أيضا إقامة وتثبيت تمثال يرجع للعصر اليوناني في متحف العريش، وكان هذا التمثال الفاقد لإحدى قدميه أهم قطعة أثرية بالمتحف قبل الافتتاح. وتم تكليفه بنقله في شهر رمضان. لكن بفضل الله استطاع أن يرفع التمثال ويثبته علي القاعدة فى الساعة الثالثة والنصف عصراً قبل الإفطار بحضور التليفزيون الإيطالي. وهو ما جعل الدكتور( زاهي حواس) .يكتب مقالا بعنوان “الريس طلال وابناء الكريتي يمكنهم أن يحركوا الهرم من مكانه ما أبلغ مشاعر الوفاء والإخلاص.
أما عن الجوائز فقد تم تكريمه عالمياً من جامعة برلين وهانوفر بألمانيا، وجامعة ليدن بهولندا، وجامعة تشارلز بالتشيك.ثم بلا فخر يكون المصرى الذى حصل على شهادة تقدير من رئيس جمهورية التشيك( فاتسلاف هافيل). كما حصل على شهادة فخرية، ووسام من الطبقة الأولى من جامعة تشارلز، وأقام رئيس الوزراء التشيكي عشاء خاص للريس طلال بمنزله الخاص بالعاصمة التشيكية براغ، وكرمه ولي عهد هولندا. وتعد جامعة ليبزج بألمانيا رسالة دكتوراه حول إنجازات عائلة الكريتي في الحفائر والترميمات عامة.
أما عن الجانب الإعلامي فقد أجرى عدد من التليفزيونات الأجنبية عدة لقاءات مع الريس طلال مثل التليفزيون الأمريكي. والفرنسي، والانجليزي والألماني، والتشيكي، والإيطالي، والهولندي والسويسري، وكذلك التليفزيون المصرى فى برامج عدة.
أما الجانب الأخلاقي فى حياته الشخصية وهو الأهم فقد كان يتمتع بسيرة ذاتيه مميزه وأسلوب فى الحوار يليق بالمواطن المصرى. ترك ميراث غاية فى روعة الأخلاق الحميدة لذويه وأولاده من بعده
ثم أتى الرحيل بعد كل هذا التاريخ الحافل بالإنجازات توفي الريس طلال الكريتي بتاريخ 20/3/2015 عن عمر يناهز 62 عاماً. وأصدر الدكتور( زاهي حواس) نعيا له. وكتب مقالا بعنوان “الريس طلال الكريتي”، ونعته أيضا أقسام الأثار بجامعات أوروبا وأمريكا.هو المصرى العالمى بكل ما تحمله الحروف من جميل المرادفات.
وعن الذرية والخلف الصالح للريس طلال فقد ترك ابنان له يعملان في مجال الآثار، هما الدكتور( حاتم وحازم الكريتي). واللذان قد ورثا الكثير من خبرات والدهما ومن أهمها الحفاظ على الآثار ، كما حافظ عليها الأجداد من ذى قبل.
وداعاً للريس طلال وهنيئا لنا بسيرته التى تعد قلادة يرتديها علماء آثا هذه الأمة فى العصر الحديث. .



