تاريخ ومزارات

بيت القاضي بشارع المعز.. حكاية قصر مملوكي تحول إلى شاهد على تقلبات التاريخ

في قلب القاهرة، وعلى امتداد شارع المعز، ذلك المتحف السردي المفتوح على اتساعه، تتراص مبانٍ شامخة يمينًا ويسارًا، تقف في كبرياء شاهدة على عصور مضت، بإطلالة تتحدى الزمن وترفض أن تنزلق إلى هوة النسيان، وربما يتسلل إلى ذهنك السؤال ذاته وأنت تتأمل بيت القاضي: هل للحجر قدر كالبشر، ترسم له أدوار لم يخترها؟ وهل تشاركنا آثارنا المصير ذاته؟

مقعد الأمير ماماي

في هذه البقعة نقترب من الإجابة، ونحن أمام مقعد الأمير ماماي السيفي، الذي شيد ليكون قصرًا فخمًا “عمّره وزخرفه بالرخام المثمن”، لكن الأقدار أرادته أن يتحول إلى ساحة للفصل في الخصومات بقلب القاهرة. وجمال الحكاية في تفاصيلها، فلنبدأ من البداية.

تحولات المكان

كان موقع بيت القاضي جزءًا من قصر الزمرد الفاطمي، الذي حمل اسمه من باب الزمرد، ومع انتقال الحكم إلى الدولة الأيوبية، اشتراه الأمير بدر الدين أمير مسعود بن خطير الحاجب، ثم آل إلى الأمير سيف الدين قوصون فعرف بقصر قوصون.

وفي العصر المملوكي انتقل إلى خوند تتر الحجازية ابنة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فاتخذته مقرًا لقصرها ومدرستها الحجازية.

وفي عهد السلطان الظاهر برقوق استولى عليه جمال الدين يوسف الإستادار وحوله إلى سجن، حتى جاء الأمير ماماي، أحد أمراء الأشرف قايتباي، فبنى قصره عام 901هـ/1495م، وأنفق أموالًا طائلة لإعادة تشكيله. لكن مقتله المباغت أوقف المشروع، فلم يبق من القصر سوى مقعده الفخم.

ماماي بين القوة والدبلوماسية

قد يبدو اسم ماماي غريبًا في المدونات المملوكية، لكنه كان من خاصكية السلطان قايتباي، وتدرج في المناصب من الجمدار إلى الساقي الخاص، ثم صار أمير مائة ومقدم ألف.

كما لعب أدوارًا دبلوماسية مهمة، خاصة في التهدئة بين المماليك والعثمانيين في عهد السلطان الأشرف قايتباي، حيث أُرسل رسولًا للصلح وأُسر، قبل أن تنتهي الحرب بهدنة مؤقتة مع السلطان العثماني بايزيد الثاني.

في ظل هذه الأحداث، برز دور “مؤرخ السلطان”، ومنهم علي بن داود المعروف بابن الصيرفي، الذي دون وقائع عصر قايتباي بمداد يميل إلى التبرير والمديح. وقد انتقده ابن إياس ورفيقه السخاوي، معتبرين أن تاريخه لم يخلو من خبطات ومجازفات.

من مقعد أمير إلى بيت قاضي

تحول مقعد ماماي لاحقًا إلى مقر للمحكمة الشرعية زمن الحملة الفرنسية والعهد العثماني، وشهد مبايعة محمد علي باشا واليًا عام 1805م. خضع لترميمات عدة منذ مطلع القرن العشرين، وأعيد افتتاحه ضمن مشروع تطوير آثار شارع المعز عام 2010، ثم استُكملت صيانته لاحقًا.

وهكذا بقي المقعد شاهدًا على تقلّب المصائر؛ من قصر لم يكتمل إلى ساحة قضاء، ومن صخب السياسة إلى سكون الحجر، في مشهد يلخص تاريخ القاهرة بين الطموح والقدر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى