حكاية “تربة الزردكاش” بالسيدة عائشة.. شاهد على نهاية المماليك

في حقبة سبقت نشأة الكتابة الهيروغليفية، عاش المصري القديم تفاصيل يومه وعبر عن أفراحه وأحزانه وطقوسه بوسائل مغايرة تمامًا لما نألفه اليوم، إذ استعان بالرموز والصور والأشكال التعبيرية لتوثيق أحداثه، بينما شكلت الحكايات الشفوية والنقوش على جدران المقابر والصخور وسيلة جوهرية لنقل المعرفة والخبرة من جيل إلى آخر، فصان بذلك ذاكرة حضارته العريقة التي ما تزال تدهش العالم حتى يومنا هذا.
فن البدايات الأولى
يشير عالم الآثار البارز سليم حسن في موسوعته المعروفة مصر القديمة، ضمن الجزء الأول منها، إلى خلاصة رحلة قام بها الأمير كمال الدين إلى الصحراء، عاد منها برسوم منقوشة على صخور وادي عوينات، فضلًا عن أدوات تعود إلى العصر الحجري القديم.
وأكد “حسن”، أن العصر الحجري القديم الأعلى يستحق أن يسمى عصر فن الحفر الدقيق وصناعة العاج ونقشه، إذ لم يكتفِ إنسان تلك المرحلة بزخرفة أدواته وخطاطيفه بأشكال هندسية أو نباتية، بل أقدم على تصوير الكائنات الحية المعقدة وحتى ملامح الإنسان ذاته.
فنرى صور الماموث وبقر الوحش والوعل محفورة على ألواح الشيست والعظام بمهارة تعكس دقة الملاحظة وصدق الأداء، حتى تبدو الحركات المصورة وكأنها تجسد الطبيعة ذاتها. كما ظهرت رسوم لحيوانات أخرى بأحجام كبيرة تنبض بالحياة، وكانت جدران الكهوف تزين بهذه الأعمال بألوان حمراء أو سوداء، وأحيانًا تنفذ بأسلوب بارز أو تشكل من الصلصال.
نقوش تحكي البيئة
ويضيف سليم حسن في الجزء نفسه أن الصحراء كشفت عن صخور منقوشة تضم صورًا بشرية وحيوانية ملونة، وهي ما يعرف بين العمال باسم “الصخور المكتوبة”.
ولا يمكن الجزم بمدى ارتباطها بروائع الفن المجدلي التي عثر عليها في الكهوف، غير أنه يمكن اعتبارها مظهرًا لفن أقل إتقانًا يعود إلى الفترة ذاتها تقريبًا، غير أن غياب أدوات واضحة تعود إلى زمن هذه الرسوم البدائية يجعل تحديد تاريخها بدقة أمرًا بالغ التعقيد.
كما تدل الحيوانات المرسومة على أن هذه المناطق كانت عامرة بالسكان في عصور سابقة، بل وظلت مأهولة في عصور تاريخية لاحقة، فبعض الكائنات المصورة ما يزال يعيش في تلك البيئات حتى الآن، مثل الغزال، بينما تراجعت أنواع أخرى كالفيل والخرتيت والزرافة والظباء والنعام جنوبًا نحو خط الاستواء، في حين اختفى الجاموس تمامًا.
أما ظهور الكبش ضمن الحيوانات المستأنسة في العصر الحجري الحديث فيشير إلى أن بعض هذه الرسوم قد يعود إلى فترات أحدث نسبيًا.
ولو أخضعت هذه النقوش لدراسة علمية موسعة، لأمكن تصنيفها زمنيًا بصورة تقريبية تبعًا لخصائصها وأنواعها.
استمرارية عبر العصور
ولا شك أن بعض هذه الرسوم يرجع إلى العهد الجفسي، بينما تتسم أخرى بخشونة التنفيذ وتعود إلى المرحلة الممتدة بين العصر الحجري القديم وبدايات التاريخ المدون.
كما توجد نقوش قرب عيون المياه تعود إلى عصور متأخرة، فمنها ما ينتمي إلى العصر الفرعوني، وأخرى إلى العصر الروماني، ثم العربي، بل وحتى إلى فترات حديثة، في صورة تعكس تواصل التعبير الإنساني على أرض مصر عبر آلاف السنين.



