بين “الغبقة” وأهازيج “القرنقعوه”.. تعرف على طقوس رمضان في قطر

أميرة جادو
بحلول شهر رمضان المبارك، تعيش قطر أجواءً روحانية استثنائية، تمتزج فيها أصالة الماضي بلمسة الحاضر المتطور، في مشهد يعكس توازنًا فريدًا بين التراث والحداثة، وخلال هذا الشهر الفضيل، تتحول البلاد إلى لوحة نابضة بالمحبة والتآخي، تؤكد قدرة الهوية القطرية على احتضان التطور دون التفريط بجذورها العريقة، ومع ثبوت دخول الشهر، تتزين الدوحة بالفوانيس والزخارف التي تضيء المنازل والمجالس والطرقات، حاملة معها رسالة ترحيب دافئة بضيوف الشهر الكريم.
من “دق الحب” إلى وفرة الأسواق
في الذاكرة الشعبية القطرية، ارتبط استقبال رمضان بتحضيرات تبدأ قبل حلوله بأسابيع، إذ كان المجتمع يتهيأ له بعادات متوارثة تشعر الجميع بقرب المناسبة، فكانت البيوت تدخل حالة استعداد شاملة.
وكان النصيب الأكبر من هذه التحضيرات من مهام ربات المنازل، اللواتي كن يبدأن مبكرًا في تجهيز الطحين لإعداد خبز الرقاق، والقيام بـ”دق الحب” لصناعة الهريس، استعدادًا لموائد الشهر المبارك.
كما تشير الروايات إلى أن “دق الحب” لم يكن مجرد عمل منزلي، بل مناسبة اجتماعية عامرة بالبهجة، حيث تصف الباحثة في التراث الثقافي سلمى النعيمي تلك الأجواء بقولها إن نساء الحي أو “الفريج” كن يجتمعن في شهر شعبان داخل أحد البيوت، يتشاركن دق الحب وسط أجواء من الغناء والسرور، في تقليد سنوي لإعداد أطعمة رمضان التراثية.
ومع تغير أنماط الحياة، أصبحت الاستعدادات تتم عبر زيارة الأسواق والمجمعات التجارية التي تعج بالمتسوقين، حيث تتوافر مختلف السلع والمواد الغذائية بلمسة عصرية، مع بقاء المجتمع متمسكًا بروح عاداته الأصيلة.
أشهر أكلات رمضان في قطر
لا تزال الأطباق الشعبية تتصدر المائدة الرمضانية في قطر، إذ يحضر “الهريس” المصنوع من القمح واللحم، و”الثريد” وهو خبز الرقاق المفتت بالمرق، إضافة إلى “اللقيمات” الحلوة، كعناصر أساسية لا تغيب عن السفرة.
ويعتبر إعداد “الهريس” و”الثريد” تعبيرًا واضحًا عن التمسك بالموروث الغذائي، إذ تتزين بهما المائدة القطرية في أول أيام رمضان.
وبحسب كبار السن الذين عاصروا رمضان قديمًا وحديثًا، فقد كانت تقام “الغبقة” في المجالس، حيث يدعو المضيف أهالي الفريج إلى مجلسه بعد صلاة التراويح أو خلال العشر الأواخر لتناول وجبة رمضانية متأخرة.
ويرى هؤلاء أن الحفاظ على هذه العادة يجسد كرم الضيافة القطري، ويعيد إحياء التقاليد، كما يشكل فرصة لاستحضار قصص الماضي وتاريخ البلاد. وتعود كلمة “غبقة” إلى “الغبوق”، أي شرب الحليب ليلًا، وأصبحت تطلق على العشاء الرمضاني المتأخر الذي يضم غالبًا أطباقًا خليجية تقليدية.
ومع تسارع إيقاع الحياة، تطورت الغبقة لتقام في الفنادق الفاخرة والخيام الرمضانية المكيفة، حيث تقدم تشكيلة تجمع بين المأكولات الشعبية والعالمية، وتوفر مساحة للقاء الأهل والأصدقاء وزملاء العمل في أجواء مفعمة بالألفة.
“النقصة” التي لا تزال تطرق الأبواب
رغم التحولات الاجتماعية، يظل رمضان في قطر عنوانًا للتكافل والتراحم، ويتجسد ذلك في عادة “النقصة”، أي تبادل الأطباق بين الجيران.
وترتبط التسمية بقيام كل ربة منزل باقتطاع جزء من طعامها لإرساله إلى جارتها، في تقليد يعزز روح المحبة ويقوي روابط المجتمع، إذ لا تُعد وجبة دون مشاركة الجيران نصيبًا منها.
الفرحة الأكبر.. القرنقعوه بهجة الأطفال
في ليلة النصف من رمضان، تبلغ مظاهر الاحتفال ذروتها بفعالية “القرنقعوه”، حيث يرتدي الأطفال الأزياء التقليدية كالبخنق والدراعة، ويجوبون الأحياء مرددين أناشيدهم التراثية لجمع المكسرات والحلوى في أكياسهم المزخرفة.
ويتم إقامة هذا التقليد أيضًا في مواقع بارزة مثل كتارا وسوق واقف، حيث تنظم فعاليات جماهيرية تعيد إحياء الموروث الشعبي بقالب احتفالي معاصر، يعزز انتماء الصغار ويشجعهم على الصيام.
المسحراتي يبحث عن البقاء
وفي مقابل ازدهار بعض التقاليد، تكافح أخرى من أجل الاستمرار، وعلى رأسها “المسحراتي” الذي كان يجوب الأحياء حاملًا “الزبيلي” المصنوع من سعف النخيل لإيقاظ الناس للسحور.
أما “مدفع الإفطار” فلا يزال حاضرًا بقوة، إذ تتجمع العائلات في أماكن مثل ميناء الدوحة القديم وسوق واقف لمتابعة إطلاقه لحظة الغروب، في مشهد يجمع بين الحنين إلى الماضي ومتعة الحاضر، ويمنح الأطفال لحظة فرح تتردد أصداؤها مع دوي المدفع إيذانًا بالإفطار.



