المعركة التي أسقطت إمبراطورية عمرها 416 عامًا.. لماذا سميت فتح الفتوح؟
كانت مدينة نهاوند تبدو وكأنها حصن لا يمكن اقتحامه، أسوار شاهقة، وخندق عميق يحيط بها من كل الجهات، وأرض مفروشة بالحسك الشائك الذي يمزق أقدام الخيل، وفوق الأسوار آلاف الرماة ينتظرون أي محاولة للهجوم.
لماذا سميت فتح الفتوح؟
وخلف تلك التحصينات وقف آخر جيش عظيم للإمبراطورية الساسانية، الدولة التي حكمت بلاد فارس أكثر من أربعة قرون، وكان ملكها يزدجرد الثالث يدرك أن نهاوند ليست مجرد مدينة، بل آخر خط دفاع عن إمبراطوريته، ولذلك جمع فيها عشرات الآلاف من المقاتلين، وأقسم ألا يسمح للمسلمين بتجاوزها.
وفي المدينة المنورة، وصلت الأخبار إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجمع كبار الصحابة للتشاور في أخطر معركة واجهها المسلمون بعد القادسية، ثم قال كلمته المشهورة.
“أما والله لأولين أمرهم رجلًا ليكونن أول الأسنة إذا لقيها غدًا”
ثم اختار القائد الشجاع النعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه لقيادة الجيش، وأوصاه إن استشهد أن يتولى القيادة من بعده من سماهم بالترتيب.
تحرك جيش المسلمين الذي بلغ نحو ثلاثين ألف مقاتل حتى وصل إلى نهاوند، وهناك اكتشف القادة أن اقتحام المدينة بالقوة يكاد يكون مستحيلًا.
فكل محاولة للتقدم كانت تواجه بوابل كثيف من السهام، والخندق يمنع العبور، والحسك الشائك يوقف اندفاع الفرسان، بينما يقف جيش الفرس آمنًا خلف أسواره المنيعة.
مر يوم، ثم يوم آخر، ثم أيام من المناوشات، دون أن يستطيع المسلمون تحقيق أي تقدم حقيقي.
أدرك النعمان أن استمرار الحصار سيطيل أمد المعركة، وأن النصر لن يتحقق بالقوة وحدها، فجمع كبار القادة للتشاور.
ساد الصمت داخل خيمة القيادة، حتى تقدم طليحة بن خويلد الأسدي بفكرة جريئة قلبت مجرى الأحداث.
قال إن الحصون لا تهاجم دائمًا، بل يمكن أن تدفع أصحابها إلى الخروج منها، فإذا خرجوا فقدوا أهم عناصر قوتهم.
أعجب النعمان بالخطة، وأسند تنفيذها إلى الفارس الشهير القعقاع بن عمرو التميمي.
مع بزوغ الفجر، اندفع فرسان المسلمين نحو أسوار نهاوند، واشتبكوا مع الفرس اشتباكًا سريعًا، ثم بدأوا يتراجعون تدريجيًا وكأنهم انهزموا.
ومن فوق الأسوار ارتفعت صيحات الفرس وهم يظنون أن المسلمين قد فروا من أرض المعركة.
ففتحت أبواب المدينة، وخرجت أعداد كبيرة من الفرسان الفرس يطاردون الجيش المنسحب، معتقدين أن لحظة الحسم قد جاءت “لكن ما بدا هزيمة لم يكن سوى خدعة عسكرية محكمة”.
فما إن ابتعد الجيش الفارسي عن أسوار المدينة حتى ظهرت الكتائب الإسلامية المختبئة من جوانب الميدان، وانقضت على الفرس من أكثر من اتجاه.
وفي لحظات تحول المطارد إلى مطارد، وأصبح الجيش الساساني محاصرًا في أرض مفتوحة بعيدًا عن تحصيناته.
حاول الجنود العودة إلى المدينة، لكن الطريق ضاق بهم، فسقط كثير منهم في الخندق، بينما تعثرت خيول آخرين بالحسك الشائك الذي كانوا قد زرعوه لحماية مدينتهم.
وفي خضم القتال أصيب القائد النعمان بن مقرن بسهم فسقط شهيدًا، لكن قبل وفاته أوصى بألا يعلن خبر استشهاده حتى لا تضعف عزائم المسلمين، فتولى القيادة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، واستمرت المعركة بنفس القوة حتى تحقق النصر.
وفي أثناء المطاردة لاحق القعقاع بن عمرو قائد الفرس الفيرزان، وظل يطارده حتى تمكن من قتله، فانهارت معنويات الجيش الساساني، وتحولت المعركة إلى هزيمة ساحقة لم تعرف فارس مثلها منذ قيام إمبراطوريتها.
ولم يكن سقوط نهاوند مجرد سقوط مدينة، بل كان بداية النهاية للإمبراطورية الساسانية التي استمرت أكثر من 416 عامًا.
فبعد هذا الانتصار دخل المسلمون نهاوند، ثم همدان، ثم توالت مدن فارس الكبرى في السقوط واحدة بعد الأخرى، ولم يتمكن يزدجرد الثالث بعدها من جمع جيش قادر على استعادة ملكه، وظل هاربًا بين الأقاليم حتى قتل بعد سنوات، لتنتهي بذلك آخر إمبراطورية فارسية قبل الإسلام.
ولهذا لم يعتبر المؤرخون نهاوند مجرد معركة عسكرية، بل أطلقوا عليها لقب فتح الفتوح، لأنها فتحت الطريق أمام المسلمين إلى قلب فارس، وحسمت الصراع مع الدولة الساسانية بصورة نهائية، لتبقى واحدة من أعظم المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي.



