تاريخ ومزارات

حجاج الخضري.. بائع الخضر الذي قاد ثورة المصريين وحاصر القلعة ثم انتهى مشنوقًا

في شوارع القاهرة القديمة، حيث كانت الأسواق تضج بالحركة وتختلط روائح التوابل بأصوات الباعة، خرج رجل بسيط استطاع أن يصبح أحد أبرز الوجوه الشعبية في مطلع القرن التاسع عشر، كان اسمه حجاج الخضري، الرجل الذي بدأ حياته بائعًا للخضر، لكنه تحول إلى أحد أشهر الفتوات وزعماء العامة، حتى أصبح اسمه يتردد في أحياء القاهرة ويهابه رجال السلطة.

ولد حجاج الخضري في قرية المنوات بمحافظة الجيزة، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث عمل في تجارة الخضر حتى أصبح شيخ طائفة الخضرية، وبفضل قوته وشجاعته ونفوذه، صار فتوة حارة الرميلة أمام باب العزب، واكتسب مكانة كبيرة بين أبناء الأحياء الشعبية الذين رأوا فيه نصيرًا للمظلومين وحاميًا لهم.

قائد شعبي في مواجهة الوالي العثماني

عندما اندلعت ثورة المصريين ضد الوالي العثماني أحمد خورشيد باشا عام 1805 بسبب الظلم وارتفاع الضرائب وسوء الإدارة، كان حجاج الخضري في مقدمة الصفوف، وقف إلى جانب علماء الأزهر وعلى رأسهم عمر مكرم، وشارك في الحراك الشعبي الذي طالب بعزل الوالي، كما قاد مجموعات كبيرة من أبناء القاهرة الذين عرفوا وقتها باسم “أولاد البلد”.

ولعب دورًا بارزًا في فرض الحصار على قلعة الجبل، فقطع الطرق المؤدية إليها ومنع وصول الإمدادات، وظل يردد بين رجاله أن النصر لن يتحقق إلا بخروج خورشيد باشا من القلعة، رافضًا أي تراجع عن مطالب المصريين.

كمين قلب موازين الحصار

ومن أبرز المواقف التي نسبت إلى حجاج الخضري خلال الثورة، الكمين الذي نصبه مع رفيقه أبو شمعة لقافلة عثمانية كانت قادمة من حلوان لإمداد القوات المحاصرة داخل القلعة.

وانتهت المواجهة بمقتل اثنين من أفراد القافلة وأسر ثلاثة آخرين، بينما استولى الثوار على نحو ستين جملاً محملة بالمؤن والأسلحة والمياه، وهو ما وجه ضربة قوية للقوات المحاصرة داخل القلعة، وساهم في إحكام الحصار عليها.

وتذكر الروايات أن حجاج حمل الغنائم إلى عمر مكرم، وأطلعه على تفاصيل العملية، وسط احتفاء كبير من الأهالي الذين رأوا في هذا الانتصار دليلًا على قرب سقوط الوالي.

علاقة معقدة مع محمد علي

رغم أن حجاج الخضري كان من القوى الشعبية التي ساهمت في نجاح الثورة التي انتهت بتولي محمد علي باشا حكم مصر، فإنه لم يكن يثق كثيرًا في الجنود الأرناؤوط الذين اعتمد عليهم محمد علي، وكان يرى أن المصريين قادرون على حماية بلادهم بأنفسهم.

وبعد أن استقر الحكم لمحمد علي، بدأت الخلافات تظهر بينه وبين عدد من الزعامات الشعبية التي كان لها دور في الثورة، وكان حجاج من أبرز المعارضين لأي عودة للضرائب الباهظة أو أساليب الحكم التي ثار المصريون ضدها.

نهاية غامضة

لم يطل الصدام كثيرًا، ففي أواخر عام 1805 عثر على حجاج الخضري مشنوقًا عند باب حارته، في حادثة بقيت تفاصيلها محل جدل بين المؤرخين.

وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن مقتله جاء ضمن مرحلة شهدت إبعاد أو التخلص من عدد من القيادات الشعبية التي لعبت دورًا في وصول محمد علي إلى السلطة، إلا أن هذه الروايات ليست محل اتفاق كامل بين المؤرخين، كما لا توجد أدلة قاطعة تثبت المسؤولية المباشرة عن مقتله.

وبعد وفاته، غادر عدد من أفراد أسرته وأتباعه إلى قريته الأصلية المنوات، بينما تراجع حضوره في المصادر التاريخية، ولم يرد ذكره إلا بإشارات مقتضبة، من بينها ما أورده المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في سجل الوفيات.

بطل شعبي غاب عن الروايات الرسمية

ورغم قلة ما كتب عنه، ظل حجاج الخضري حاضرًا في الذاكرة الشعبية باعتباره واحدًا من رجال المقاومة الشعبية في القاهرة، ورمزًا لفترة وقف فيها أبناء الأحياء المصرية في مواجهة السلطة دفاعًا عن حقوقهم.

وقد بقيت سيرته شاهدًا على الدور الذي لعبه عامة المصريين في أحداث عام 1805، وهي الثورة التي مهدت الطريق لصعود محمد علي باشا إلى حكم مصر، وفتحت صفحة جديدة في تاريخ البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى