يهود يثرب.. تاريخ القبائل الثلاث وأسباب خروجها من المدينة المنورة
شكلت القبائل اليهودية الثلاث، وهي بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، جزءًا من النسيج الاجتماعي في يثرب قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليها، وعاشت هذه القبائل إلى جانب الأوس والخزرج، وكانت تمتلك نفوذًا اقتصاديًا وعسكريًا، قبل أن تتغير الأوضاع بعد قيام الدولة الإسلامية وعقد «صحيفة المدينة» التي نظمت العلاقة بين جميع سكانها.
الوجود اليهودي في يثرب
تشير المصادر التاريخية إلى أن اليهود استقروا في الحجاز على فترات مختلفة، ويرجح أن جانبًا منهم قدم بعد الحروب التي خاضوها مع الإمبراطورية الرومانية. واستقر عدد منهم في يثرب، حيث عملوا في الزراعة، خاصة زراعة النخيل والحبوب، إلى جانب التجارة والصناعات المختلفة، حتى أصبحوا قوة اقتصادية مؤثرة.
ومع وصول قبيلتي الأوس والخزرج إلى يثرب، نشأت تحالفات بين القبائل العربية واليهودية، واندلعت حروب استمرت سنوات طويلة، كان أشهرها يوم بعاث، الذي سبق الهجرة النبوية بسنوات قليلة.
صحيفة المدينة وتنظيم العلاقة
بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة عام 622 ميلادية، أبرم وثيقة عُرفت باسم «صحيفة المدينة»، ونظمت العلاقة بين المسلمين واليهود وسائر سكان المدينة، ونصت على حرية الاعتقاد، والتعاون في الدفاع عن المدينة، وعدم الغدر أو التحالف مع الأعداء ضد أي طرف من أطرافها.
لكن مع تطور الأحداث السياسية والعسكرية، شهدت العلاقة بين المسلمين وبعض القبائل اليهودية توترات انتهت باتهام ثلاث قبائل بنقض العهد، وهو ما ترتبت عليه إجراءات مختلفة بحق كل قبيلة.
بنو قينقاع.. أول القبائل خروجًا من المدينة
كان بنو قينقاع يعملون في التجارة وصياغة الذهب والحدادة، وكان لهم سوق شهير داخل المدينة، كما كانوا حلفاء لقبيلة الخزرج.
وتذكر كتب السيرة أن خلافًا وقع في سوق بني قينقاع، أعقبه مقتل رجل من المسلمين وآخر من اليهود، وهو ما اعتبره المسلمون نقضًا للعهد. وبعد حصار استمر نحو خمسة عشر يومًا، استسلمت القبيلة، وانتهى الأمر بإجلائها عن المدينة، واتجه معظم أفرادها إلى مناطق في الشام.
بنو النضير.. محاولة اغتيال انتهت بالإجلاء
كان بنو النضير من أكبر القبائل اليهودية في المدينة، وعُرفوا بامتلاكهم الأراضي الزراعية والحصون.
وتذكر المصادر الإسلامية أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إليهم للمشاركة في دفع دية قتيلين، وأثناء وجوده بينهم علم بمحاولة لاغتياله، فغادر المكان، ثم طالبهم بمغادرة المدينة خلال مدة محددة.
وبعد حصار قصير، وافق بنو النضير على الرحيل، وغادروا المدينة متجهين إلى خيبر والشام، بعدما تركوا جانبًا كبيرًا من ممتلكاتهم.
بنو قريظة ونقض العهد أثناء غزوة الأحزاب
خلال غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة، كان بنو قريظة يرتبطون بعهد مع المسلمين يقضي بعدم الاعتداء أو التعاون مع أعداء المدينة.
وتذكر المصادر الإسلامية أن زعماء من بني النضير نجحوا في إقناع بني قريظة بالانضمام إلى الأحزاب، وهو ما اعتبره المسلمون نقضًا للعهد، قبل أن ينجح نعيم بن مسعود في إفساد التحالف بين الطرفين.
وبعد انتهاء غزوة الخندق وانسحاب الأحزاب، توجه المسلمون إلى حصون بني قريظة، واستمر الحصار قرابة خمسة وعشرين يومًا حتى استسلمت القبيلة.
وقبل الطرفان بتحكيم سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقضى بقتل المقاتلين وسبي النساء والأطفال، وهو الحكم الذي تذكر الروايات الإسلامية أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره.
خيبر.. آخر معاقل اليهود في شمال الحجاز
بعد خروج بني النضير من المدينة، استقر عدد كبير منهم في خيبر، التي كانت تُعد من أغنى واحات شمال الحجاز، واشتهرت بحصونها القوية وأراضيها الزراعية الخصبة.
وتشير المصادر الإسلامية إلى أن بعض زعماء بني النضير لعبوا دورًا في تكوين تحالف الأحزاب ضد المسلمين، وهو ما جعل خيبر تمثل تهديدًا للدولة الإسلامية.
فتح خيبر
بعد صلح الحديبية في السنة السابعة للهجرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، حيث واجه المسلمون حصونًا منيعة استغرق فتحها عدة أيام.
وتنقل المسلمون من حصن إلى آخر حتى تمكنوا من السيطرة على الواحة، وبعد انتهاء القتال، طلب يهود خيبر البقاء في أراضيهم مقابل أن يكون للمسلمين نصف إنتاجها الزراعي، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، مع احتفاظه بحق إنهاء هذا الاتفاق متى رأى ذلك مناسبًا.
وبذلك انتهى الوجود السياسي والعسكري للقبائل اليهودية الكبرى داخل المدينة المنورة، بعد سلسلة من الأحداث التي ارتبطت، وفقًا للمصادر الإسلامية، بنقض العهود والتحالف مع أعداء الدولة الإسلامية الناشئة.



