وطنيات

المقاتل الذي أرعب جيشا كاملا.. ملحمة محمود الجيزي التي لم تنته برحيله

في زمن كانت مصر تخوض فيه واحدة من أعظم معاركها من أجل استعادة أرضها وكرامتها، ظهر بين صفوف أبنائها رجل استثنائي آمن بأن الوطن يستحق كل شيء لم يعرف التراجع يوما، ولم يفكر في النجاة بقدر ما فكر في أداء واجبه حتى النهاية، كان اسمه محمود علي الجيزي، الملازم أول بحري في قوات الصاعقة البحرية المصرية، وأحد الأبطال الذين تحولت حياتهم إلى قصة خالدة ترويها الأجيال جيلا بعد جيل.

 من هو محمود الجيزي

منذ التحاقه بالقوات المسلحة، لفت الجيزي أنظار قادته بما امتلكه من شجاعة نادرة وكفاءة قتالية عالية، لذلك اختاره القائد البطل إبراهيم الرفاعي ليكون واحدا من رجال الفرقة 39 قتال، تلك الوحدة التي صنعت تاريخا خاصا بها خلال حرب الاستنزاف، وأصبحت مصدر قلق دائم للعدو بسبب عملياتها الجريئة والمؤثرة.

تنقل محمود الجيزي بين ميادين القتال المختلفة، واكتسب خبرات واسعة من المهام الصعبة التي شارك فيها، بدأ مشواره العسكري في جبال اليمن، ثم انتقل إلى جبهة قناة السويس، حيث صقلت المعارك شخصيته وزادت من قدراته القتالية، ومع مرور الوقت أصبح واحدا من أكثر المقاتلين جرأة وإقداما بين رفاقه.

وخلال إحدى العمليات الخاصة في منطقة جبل مريم، نفذ مهمة شديدة الخطورة أظهرت حجم شجاعته وقدرته على مواجهة المخاطر، تمكن من أسر جندي إسرائيلي خلال اشتباك مباشر، ثم نقله بنفسه عبر قناة السويس إلى الضفة الغربية، وشكلت تلك العملية إنجازا لافتا، وأكدت أن هذا الضابط الشاب يمتلك روحا قتالية استثنائية لا تعرف المستحيل.

ولم تكن التضحية بالنسبة إليه مجرد كلمات تردد في الخطب والشعارات، بل كانت أسلوب حياة عاشه بكل تفاصيله، ففي الوقت الذي كان يستعد فيه لبدء حياته الزوجية بعد أيام قليلة من زفافه، تلقى أمرا بالمشاركة في إحدى العمليات الخاصة لم يتردد، ولم يبحث عن مبرر للغياب، بل ترك عروسه الجديدة خلفه وتوجه مباشرة إلى موقع المهمة، وكأن مصر كانت حبه الأكبر الذي يسبق كل شيء.

وخلال تلك المهمة أصيب بجروح، لكنه رفض أن تصل أخبار إصابته إلى أسرته حتى لا يثير قلقهم تحمل الألم بصمت، وواصل أداء واجبه إلى جانب زملائه، واضعا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

ثم جاءت حرب أكتوبر عام 1973، وجاء معها الموعد الذي سيجعل اسم محمود الجيزي واحدا من أبرز أسماء البطولة في التاريخ العسكري المصري.

في منطقة الزيتية بمدينة السويس، بين الأدبية وجبل عتاقة، حاولت القوات الإسرائيلية التقدم بعد أحداث الثغرة، وهناك تمركز محمود الجيزي مع عدد محدود للغاية من المقاتلين، استعدادا لخوض مواجهة غير متكافئة بكل المقاييس.

بدأت الهجمات تتوالى، واشتد القصف بصورة عنيفة، وسقط عدد من المقاتلين الذين كانوا إلى جواره، ومع ذلك بقي الجيزي في موقعه، متمسكا بمهمته، رافضا أي فكرة للتراجع أو الانسحاب كان يدرك تماما أن العدو يتفوق عليه في العدد والعتاد والإمكانات، لكنه قرر أن يقاتل حتى النهاية.

مرت الساعات ثقيلة وسط أجواء من النيران والدخان والانفجارات، وخلال إحدى عشرة ساعة متواصلة من القتال، واصل الجيزي إطلاق النار وتغيير مواقعه والتحرك بين الصخور والتحصينات، معرقلا كل محاولات التقدم التي نفذتها القوات المعادية.

ومع كل هجوم جديد، كان يرد بقوة وشراسة جعلت الجنود الإسرائيليين يعتقدون أنهم يواجهون قوة كبيرة تتمركز في المنطقة. لكن الحقيقة كانت مختلفة تماما، إذ كان مقاتل مصري واحد يقف خلف كل ذلك الصمود.

بدأت الذخيرة تتناقص تدريجيا، لكن عزيمته ظلت كما هي لم يعرف الخوف طريقا إلى قلبه، ولم يفكر في الاستسلام أو الهروب، بل واصل القتال حتى اللحظات الأخيرة.

وعندما عجزت القوات الإسرائيلية عن إسكات ذلك المقاتل الذي أوقف تقدمها لساعات طويلة، قررت استخدام الأسلحة الثقيلة انهالت القذائف على المحجر الصخري الذي احتمى به، واستمر القصف حتى تهدمت الصخور فوقه بالكامل.

وهناك، وسط الركام والأنقاض، ارتقى محمود الجيزي شهيدا وهو ممسك بسلاحه، ثابتا في موقعه حتى آخر لحظة من حياته.

انتهت المعركة، لكن حكاية البطل لم تنته.

مرت السنوات، وبقي اسمه ضمن قوائم المفقودين لم تعرف أسرته ولا رفاقه على وجه اليقين ما الذي جرى له في ساعاته الأخيرة، وظلت نهاية قصته غامضة لفترة طويلة.

وبعد سنوات من انتهاء الحرب، وقعت مصادفة غريبة أعادت كشف الحقيقة كاملة، فقد التقى ضابط بحري مصري سابق بأحد الضباط الإسرائيليين المتقاعدين خلال رحلة سياحية في شرم الشيخ.

وخلال الحديث بينهما، فاجأ الضابط الإسرائيلي نظيره المصري بسؤال غير متوقع:

هل تعرف ضابطا مصريا اسمه محمود الجيزي؟

توقف الضابط المصري بدهشة كبيرة، ثم أجاب على الفور:

بالطبع أعرفه، ماذا حدث له؟

ساد الصمت للحظات، قبل أن يبدأ الضابط الإسرائيلي في رواية قصة ظلت مجهولة لسنوات طويلة.

قال إن قواته كانت تفقد جنديا كل يوم في منطقة جبل عتاقة، وإن أحد عشر جنديا قتلوا دون أن يتمكنوا من معرفة السبب الحقيقي، وبعد عمليات استطلاع ومتابعة دقيقة، اكتشفوا أن مقاتلا مصريا واحدا يتحصن داخل محجر صخري ويواجههم بمفرده.

وأضاف أنهم حاولوا محاصرته أكثر من مرة، كما عرضوا عليه الاستسلام بصورة غير مباشرة، لكنه رفض كل المحاولات. وظل يقاتل حتى أطلق آخر طلقة كانت بحوزته.

وتابع قائلا إنهم لم يتمكنوا من القضاء عليه إلا بعد استخدام القصف الثقيل الذي أدى إلى تدمير المحجر بالكامل، وبعد انتهاء الاشتباك، عثروا على جثمانه بين الصخور، ومن خلال أوراقه العسكرية عرفوا أنه محمود علي الجيزي، ضابط الصاعقة البحرية المصرية.

ثم أضاف الضابط الإسرائيلي كلمات حملت قدرا كبيرا من الاحترام والإعجاب:

خدمت سنوات طويلة في الجيش، لكنني لم أشاهد شجاعة كتلك التي رأيتها عند ذلك المقاتل المصري، ولذلك قررنا دفنه باحترام عسكري كامل، وأدينا له التحية العسكرية تقديرا لبطولته النادرة.

وعندما وصلت هذه الشهادة إلى مصر، اكتملت فصول القصة التي ظلت ناقصة لسنوات طويلة، وعاد اسم محمود الجيزي إلى مكانه المستحق بين سجل الأبطال والشهداء الذين كتبوا أسماءهم بدمائهم في صفحات التاريخ.

لم يكن مجرد ضابط خاض معركة واستشهد خلالها، بل كان نموذجا فريدا للمقاتل الذي آمن بقضيته حتى آخر نفس، واجه قوة عسكرية كبيرة بإرادة لا تنكسر، وترك وراءه حكاية خالدة تذكر الجميع بأن البطولة الحقيقية لا تقاس بعدد الجنود ولا بحجم الأسلحة، بل تقاس بقوة الإيمان بالوطن والاستعداد للتضحية من أجله حتى اللحظة الأخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى