وطنيات

جبل مريم.. الملحمة التي أوقفت العدو وحمت الإسماعيلية من السقوط

في أكتوبر 1973، كانت أرض سيناء تهتز تحت أقدام الجيوش، وكانت نيران الحرب تمتد على طول الجبهة، وبينما انشغلت الأنظار بمعارك العبور والانتصارات المتتالية، كان هناك موقع صغير في مساحته، لكنه عظيم في قيمته العسكرية والاستراتيجية، يقف شامخا فوق مدينة الإسماعيلية، إنه جبل مريم، الموقع الذي تحول إلى رمز للصمود والتضحية خلال واحدة من أصعب مراحل الحرب.

قصة جبل مريم في حرب اكتوبر 

لم يكن جبل مريم مجرد مرتفع يطل على المدينة، بل كان خط الدفاع الأهم عن قيادة الجيش الثاني الميداني، والحاجز الذي يقف بين القوات المعادية وبين الإسماعيلية والطريق المؤدي إلى القاهرة، لذلك اكتسب أهمية استثنائية جعلت السيطرة عليه هدفا رئيسيا للعدو.

 

في صباح الحادي والعشرين من أكتوبر، وفي ذروة معارك ثغرة الدفرسوار، وقف المقدم عاطف منصف قائد كتيبة المظلات 85 داخل أحد الخنادق العميقة التي تحميه من القصف المتواصل، وكانت أصوات المدافع تهز المكان بلا توقف، بينما غطى الدخان سماء المنطقة، واستعد الجنود لمعركة قد ترسم مصير الجبهة كلها.

 

وفجأة رن جهاز الاتصال، وجاءه صوت اللواء عبد المنعم خليل قائد الجيش الثاني الميداني، وطلب منه الانتظار للحظات، ثم سمع صوتا يعرفه كل المصريين جيدا، كان صوت الرئيس أنور السادات.

 

قال السادات بصوت حاسم ومليء بالثقة، يا عاطف، مريم أمانة في رقبتك، ادفعوا عنها لآخر رجل وآخر طلقة، ربنا معاكم.

 

ساد الصمت للحظات داخل الخندق، وشعر الجميع بأن الكلمات تحولت إلى طاقة هائلة تدفعهم للثبات والقتال، لكن المفاجأة التالية جاءت بصورة أكثر تأثيرا.

 

فقد سمع عاطف صوت طفل صغير يسأله بحنين، بابا، إمتى هترجع.

 

كانت ابنته سهيلة ذات الأعوام الثمانية، أراد القادة أن يذكروا المقاتلين بسبب تمسكهم بالأرض، فخلف كل جندي أسرة تنتظر، وأطفال يحلمون بعودة آبائهم سالمين.

 

لكن أجواء الحرب لم تمنحهم وقتا طويلا للمشاعر، فمنذ ظهور الثغرة في السادس عشر من أكتوبر، خاضت كتيبة المظلات 85 معارك متواصلة دون توقف، ورغم أن أفرادها تدربوا على القتال خلف خطوط العدو كقوات مظلات، فإن الظروف فرضت عليهم خوض معارك مباشرة كمشاة في مواجهة الدبابات والقصف المكثف.

 

وفي مطار الإسماعيلية واجه رجال الكتيبة القوات المدرعة المعادية، ونجحوا في توجيه نيران المدفعية المصرية بدقة نحو أهدافها، ومع كل يوم كانت المعارك تزداد شراسة، لكن عزيمة الجنود ظلت أقوى من كل الظروف.

 

وعندما وصلت الأوامر إلى عاطف منصف بتأمين جبل مريم وتبة الشيخ حنيدق وعين غصين، كانت الأوضاع الميدانية بالغة الصعوبة، فقد تمكن العدو من السيطرة على بعض المواقع بعد قصف عنيف، كما انسحبت وحدات المشاة المصرية من المنطقة، ليجد رجال المظلات أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الخطر، ولم يساندهم سوى سرية هاون عيار 120 ملم.

 

في تلك اللحظة أصبح جبل مريم هو خط الدفاع الأخير، فلو سقط الجبل لتمكن العدو من التقدم نحو بحيرة التمساح ثم كوبري الجلاء، ومنه إلى قلب الإسماعيلية، لذلك لم يعد هناك مجال للتراجع.

 

وجاءت ساعة الحسم، ومع اقتراب موعد وقف إطلاق النار، حاولت القوات الإسرائيلية تحقيق مكاسب سريعة قبل توقف المعارك، فشنت هجمات عنيفة ومتكررة على مواقع جبل مريم، لكن رجال المظلات تمسكوا بخنادقهم بكل قوة، وكأنهم جزء من صخور الجبل نفسه.

 

استمر القتال ساعات طويلة حتى غابت الشمس، وعندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مساء الثاني والعشرين من أكتوبر، لم تتوقف المواجهة بالنسبة لرجال الكتيبة، بل واصلوا تنفيذ عمليات دفاع نشطة أربكت العدو وأفقدته الاستقرار في مواقعه.

 

ومع حلول عيد الأضحى في الثاني من يناير 1974، كان رجال الجبل قد أمضوا ثمانية وسبعين يوما في مواجهة مستمرة، ووصل اللواء محمود عبد الله قائد قوات المظلات لتهنئتهم بالعيد، وبرفقته الشيخ محمد أبو داود واعظ المظلات وصديق عاطف منصف.

 

ورغم تحذيرات عاطف منصف من احتمال وقوع هجوم قريب، أصر الشيخ على البقاء وسط الجنود لرفع معنوياتهم ومشاركتهم لحظات العيد.

 

وفجأة اشتعلت السماء بالنيران، وبدأ قصف مدفعي عنيف استمر ثلاث ساعات كاملة، اهتزت خلالها الأرض تحت أقدام الجنود، وتساقطت القذائف بلا توقف، وسقط سبعون شهيدا من أبطال الجبل.

 

لكن عاطف منصف احتفظ بهدوئه وثباته، فقد كان قد أعد مسبقا خطة دقيقة للرد، بعدما رصد سبعة مواقع رئيسية لتجمعات العدو وسجل إحداثياتها بعناية.

 

انتظر اللحظة المناسبة، وقبل غروب الشمس بعشر دقائق فقط أصدر أوامره الحاسمة.

 

وفجأة انطلقت المدفعية المصرية لتضرب المواقع المعادية بعنف شديد، وكان العدو يعتقد أن الجنود المصريين فقدوا قدرتهم على الرد بعد ساعات القصف الطويلة، لكنه فوجئ بعاصفة هائلة من النيران تسقط فوق مواقعه في اللحظة التي شعر فيها بالأمان.

 

وخلال دقائق قليلة تحولت مواقع العدو إلى حالة من الفوضى، وسقط عدد كبير من القتلى، وكانت الضربة مؤلمة إلى درجة دفعت القوات الإسرائيلية إلى اللجوء للأمم المتحدة للاحتجاج عليها.

 

وبقي جبل مريم صامدا كما كان، عصيا على السقوط، شاهدا على شجاعة رجاله وإصرارهم.

 

وفي وقت لاحق وصل اللواء فؤاد عزيز غالي ليشارك الجنود طعام العيد فوق الجبل، في مشهد جسد روح المقاتل المصري الذي يجمع بين القوة والإنسانية، وبين الصلابة والوفاء.

 

وهكذا سطرت كتيبة المظلات 85 بقيادة المقدم عاطف منصف واحدة من أعظم صفحات حرب أكتوبر، صفحة لم تكتب بالحبر، بل كتبت بالشجاعة والصبر والتضحية، وظل جبل مريم شاهدا على رجال حملوا الأمانة، ودافعوا عن أرضهم وكرامتهم حتى آخر طلقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى