من قلب السيدة زينب إلى جبهة القناة.. حكاية الشهيد احمد السداوي الذي حول مدافعه إلى جحيم للعدو

في شوارع حي السيدة زينب العريق بالقاهرة، عاش شاب بسيط الملامح، لكن داخله امتلأ بروح مقاتل لا يعرف الخوف، كان اسمه احمد احمد بهجت السداوي، ذلك الفتى الذي تربى على حب الوطن، وحمل في قلبه حلم الدفاع عن مصر مهما كان الثمن منذ سنواته الاولى، ظهرت عليه علامات القوة والرجولة، فكان شديد الانتماء لبلده، يؤمن ان الارض لا يحميها سوى رجال مستعدون للتضحية بارواحهم من اجلها.
حكاية الشهيد أحمد السداوي
دخل احمد الكلية الحربية، وهناك بدأت شخصيته العسكرية تتشكل بسرعة لافتة. تعلم الانضباط، واتقن فنون القتال، ولفت الانظار بجرأته وقدرته الكبيرة على تحمل المسؤولية، وفي عام 1966 تخرج ضابطا في سلاح المدفعية الميدانية، ليبدأ طريقا مليئا بالمواجهات الصعبة والمعارك القاسية، لم يكن يدرك وقتها ان اسمه سيصبح بعد سنوات قليلة واحدا من الاسماء التي حفرتها البطولات في ذاكرة القوات المسلحة المصرية.
ومع اشتعال المواجهات على جبهة القناة، تولى الملازم اول احمد قيادة سرية مدفعية تضم خمسة عشر مدفعا داخل موقع شديد الاهمية في جزيرة التمساح وسط البحيرات المرة، كان الموقع يمثل نقطة ضغط مستمرة على العدو، لذلك تعرض لغارات متواصلة وقصف لا يتوقف. ورغم ذلك، تمسك احمد بموقعه، ولم يسمح للخوف ان يتسلل الى رجاله، بل ظل يزرع فيهم الثقة والشجاعة كل يوم.
وقف احمد داخل برج المراقبة بثبات ادهش الجميع، يحمل جهاز الثيودوليت بين يديه، ويراقب تحركات العدو وسط اصوات الانفجارات العنيفة. كان يحدد الاهداف بدقة مذهلة، ثم يرسل الاحداثيات الى المدافع، لتنطلق القذائف بسرعة هائلة نحو مواقع العدو في سيناء خلال دقائق فقط، كانت النيران تشتعل في مواقع البترول ومخازن الذخيرة، بينما ترتفع سحب الدخان في السماء، وكأن الارض نفسها تثور غضبا على المحتل.
تحولت ضربات المدفعية التي يقودها احمد الى مصدر رعب دائم للعدو، فلم يعرف جنوده طعم الراحة على طول الجبهة، و استمرت النيران تشتعل شهورا طويلة، وواصل احمد قيادة رجاله من الصفوف الامامية دون خوف او تردد، كان يبتسم دائما وسط القصف، ويمنح جنوده شعورا بالثبات والامان، حتى في اصعب اللحظات، لذلك احبه الجميع، ورأوا فيه القائد الذي يواجه الموت وهو ثابت كالجبل.
ومع تزايد خسائر العدو، بدأ يدرك ان هذا الضابط الشاب لا يمثل مجرد قائد مدفعية، بل يمثل خطرا حقيقيا ورمزا للصمود المصري، لذلك قرر التخلص منه بأي طريقة ممكنة، كما كثف الطيران المعادي غاراته العنيفة على موقعه، وتحولت السماء فوق الجزيرة الى كتلة من النار والدخان، بينما تساقطت القنابل بشكل متواصل حول المدافع والخنادق.
وفي واحدة من اعنف الغارات، اصابت شظية قاتلة جسد احمد في جنبه، وسقط على الارض متأثرا باصابته، لكن روحه ظلت متمسكة بالحياة، وكأنها ترفض مغادرة ساحة القتال. نقلوه بسرعة الى المستشفى العسكري، وهناك بدأ معركته الاخيرة مع الالم، كما ظل ثمانية وعشرين يوما يقاوم الجراح بصبر وشجاعة، حتى صعدت روحه شهيدا، بعدما كتب بدمه واحدة من اعظم قصص البطولة في تاريخ الجيش المصري.
لم تنس مصر ابنها البطل، فقد كرمت اسمه تقديرا لما قدمه من تضحيات عظيمة، كماحصل الشهيد احمد بهجت السداوي على وسام نجمة الشرف العسكرية، وهو اعلى وسام تمنحه القوات المسلحة المصرية لابطالهاوبعد سنوات، اطلق الرئيس الراحل انور السادات اسمه على الدفعة 57 حربية عام 1975، لتعرف باسم دفعة الشهيد احمد بهجت السداوي، تخليدا لذكراه وتقديرا لشجاعته النادرة، كما حملت احدى الكتائب في بورتوفيق اسمه، ووضع اسمه ايضا على احد مباني معهد المدفعية، ليبقى حاضرا في ذاكرة الاجيال، وقصة بطل واجه الموت ولم ينحن ابدا حتى اخر لحظة في حياته.



