وطنيات

قصة البطل محيي الدين نوح الذي واصل الطريق بعد استشهاد إبراهيم الرفاعي

في إحدى قرى محافظة الشرقية، ولد في السادس من أغسطس عام 1943 طفل لم يكن أحد يتوقع أن يصبح واحدا من أشهر أبطال القوات الخاصة المصرية، كان اسمه محيي الدين نوح، ذلك الفتى الذي كبر وقلبه معلق بالوطن، حتى تحول إلى رمز للشجاعة والإقدام في أصعب المعارك التي خاضتها مصر خلال تاريخها الحديث.

قصة البطل محيي الدين نوح

بدأت رحلته العسكرية مبكرا عندما التحق بالكلية الحربية، وتخرج فيها عام 1963، ولم يكتف بالنجاح فقط، بل تصدر دورة معلمي الصاعقة، ليصبح مدرسا في مدرسة الصاعقة وهو لا يزال في بداية مشواره العسكري، وكانت قدراته الاستثنائية واضحة للجميع منذ سنواته الأولى.

 

في عام 1964 انتقل إلى اليمن ضمن القوات المصرية المشاركة هناك، وبين الجبال الوعرة وأجواء القتال الصعبة، أظهر شجاعة استثنائية في تنفيذ العمليات الخاصة، حتى حصل على ترقية استثنائية إلى رتبة نقيب تقديرا لما قدمه من بطولات ومواقف مشرفة.

 

ثم جاءت نكسة يونيو 1967، ليجد نفسه وسط الأحداث المشتعلة في سيناء، وشارك مع كتيبة الصاعقة في معارك قاسية، وكان من بين أبطال عملية جلبانة التي نجحت في إبطاء تقدم قوة إسرائيلية مدرعة كانت تتحرك نحو القنطرة، وبعد ذلك تولى مسؤوليات قتالية في مواقع رأس العش والكاب والتينة، حيث عاش أياما مليئة بالمواجهات والتحديات المستمرة.

 

وفي عام 1968 انضم إلى المجموعة 39 قتال، وهي الوحدة الأشهر والأكثر جرأة في القوات الخاصة المصرية بقيادة البطل إبراهيم الرفاعي، وهناك خاض حرب الاستنزاف بكل ما حملته من إغارات وكمائن وعمليات خلف خطوط العدو، وشارك في رصد المواقع المعادية وقصفها، كما نفذ عشرات المهام الخطرة التي جعلت اسمه يحظى باحترام كبير بين رجال الصاعقة.

 

ومن أبرز عملياته الإغارة على موقع لسان التمساح أمام الإسماعيلية، وأصيب خلال تلك العملية، إلا أن الإصابة لم تمنعه من العودة إلى القتال فور استعادة عافيته، ليواصل أداء واجبه بكل قوة وإصرار.

 

ومع اندلاع حرب أكتوبر 1973 كان محيي الدين نوح في مقدمة الصفوف، وشارك في عمليات تدمير منشآت البترول التي اعتمد عليها العدو في جنوب سيناء، ثم دخل مع المجموعة 39 قتال في سلسلة طويلة من المهام القتالية الصعبة خلال أيام الحرب.

 

وجاء يوم التاسع عشر من أكتوبر ليحمل واحدة من أصعب اللحظات في تاريخ المجموعة، حيث صدرت أوامر بتنفيذ مهمة شديدة الخطورة في منطقة الثغرة، وتوجه القائد إبراهيم الرفاعي إلى قيادة الجيش الثاني الميداني لمناقشة الموقف، لكن التعليمات النهائية قضت بمواجهة مباشرة مع قوات مدرعة معادية، وهي مهمة تختلف عن طبيعة عمل المجموعة التي اشتهرت بالإغارات والكمائن السريعة.

 

أدرك الرفاعي حجم التحدي وصعوبة المهمة، لكنه لم يعرف التراجع يوما، فجمع رجاله وتحرك بهم إلى ساحة القتال، وخلال الاشتباكات العنيفة واجهت المجموعة قوة إسرائيلية مدرعة، وصعد إبراهيم الرفاعي إلى أحد المرتفعات وبرفقته محيي الدين نوح وعدد من الضباط، وشارك بنفسه في القتال من الصفوف الأمامية.

 

وفي لحظة فارقة أطلق الرفاعي نيرانه على إحدى الدبابات المعادية، لكن النيران المعادية أصابته إصابة قاتلة، ليرتقي شهيدا وهو يؤدي واجبه في مقدمة رجاله وبين أبطال مجموعته.

 

كان المشهد مؤلما للجميع، إلا أن محيي الدين نوح لم يسمح للحزن أن يوقفه، فتولى نقل جثمان قائده، ثم حمل الراية التي سقطت من يد الرفاعي، وعلى الرغم من وجود ضباط أقدم منه رتبة وخبرة، وقع الاختيار عليه لقيادة المجموعة 39 قتال، تقديرا لشجاعته وكفاءته وثقة رجاله الكبيرة فيه.

 

واصل محيي الدين نوح قيادة المجموعة بنفس الروح التي تعلمها من قائده الشهيد، وظل نموذجا للمقاتل الذي يضع الواجب فوق كل اعتبار، ويمنح وطنه كل ما يملك دون تردد.

 

وبعد انتهاء الحرب استمر في خدمة وطنه من خلال أعمال الاستطلاع والمخابرات العسكرية، وساهم في المهام المرتبطة باستعادة جنوب سيناء، وفي الوقت نفسه واصل تطوير نفسه علميا، فحصل على بكالوريوس التجارة عام 1981.

 

ورغم أنه أصيب أربع مرات خلال مسيرته القتالية في اليمن ورأس العش ولسان التمساح وغيرها من المعارك، فإنه لم يعرف الاستسلام أبدا، كما برع في المجال الرياضي وحقق بطولات عديدة في الملاكمة على مستوى الجمهورية والقوات المسلحة.

 

ونال محيي الدين نوح العديد من الأوسمة والأنواط العسكرية من الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات تقديرا لما قدمه من تضحيات وبطولات، وظل اسمه حاضرا في ذاكرة المصريين باعتباره أحد أبرز رجال الصاعقة المصرية، وأحد الأبطال الذين كتبوا بدمائهم صفحات المجد في تاريخ الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى