وطنيات

 الدكتور محمود يوسف.. العالم الذي أنقذ درع السماء المصرية قبل حرب أكتوبر

في صيف عام 1973، وقفت مصر على أعتاب واحدة من أهم المعارك في تاريخها الحديث، وعلى الضفة الغربية لقناة السويس، واصلت القوات المسلحة استعداداتها المكثفة لعبور طال انتظاره، عبور يهدف إلى استعادة الأرض ورد الاعتبار واسترجاع الكرامة الوطنية بعد سنوات طويلة من الاحتلال، وبينما انشغل القادة العسكريون بوضع الخطط الدقيقة وترتيب تفاصيل المعركة القادمة، ظهر خطر صامت كاد أن يهدد كل ما جرى الإعداد له.

من هو الدكتور محمود يوسف

داخل أحد المكاتب المغلقة التابعة لقيادة الدفاع الجوي، جلس اللواء محمد علي فهمي يتابع مجموعة من التقارير المتلاحقة التي حملت أخبارا شديدة الخطورة، كشفت التقارير أن وقود صواريخ الدفاع الجوي، وهو العنصر الأساسي الذي تعتمد عليه شبكة الحماية الجوية المصرية، أصبح في وضع حرج للغاية فقدت الكميات المخزنة معظم صلاحيتها، بينما لم تعد الكميات المتبقية صالحة للاستخدام العملياتي وزاد الموقف تعقيدا عندما رفض الاتحاد السوفيتي، الذي كان يمثل المصدر الرئيسي لهذا النوع من الوقود، تزويد مصر بأي شحنات جديدة.

وجدت القيادة نفسها أمام أزمة حقيقية تهدد واحدة من أهم ركائز الخطة العسكرية، فالصواريخ كانت تمثل درع السماء المصرية، وبدونها ستواجه القوات المتقدمة خطرا كبيرا من الطيران الإسرائيلي، كما سيصبح تنفيذ العبور أكثر صعوبة وتعقيدا، وقد تتعرض العملية كلها لمخاطر جسيمة.

حاولت الجهات الفنية والمعامل العسكرية معالجة المشكلة بطرق مختلفة، وأجرى المختصون العديد من الاختبارات والتجارب، لكن الوقت كان يمر بسرعة من دون الوصول إلى نتيجة حاسمة عندها أدرك اللواء محمد علي فهمي أن الحلول التقليدية لن تكفي، فقرر اللجوء إلى طريق مختلف يعتمد على العقول العلمية المصرية، وفي أجواء من السرية الكاملة، بدأ البحث عن عالم يمتلك القدرة على مواجهة هذه الأزمة الاستثنائية.

وخلال عمليات البحث والتدقيق، برز اسم لم يكن متداولا خارج الأوساط العلمية المتخصصة.

كان الدكتور محمود يوسف سعادة باحثا شابا يعمل في المركز القومي للبحوث، ولم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره آنذاك عرفه زملاؤه بهدوئه الشديد وشغفه الكبير بالبحث العلمي، فقد اعتاد قضاء معظم وقته بين المعامل والأجهزة والتجارب، وفي إحدى الليالي، توقفت سيارة عسكرية أمام منزله، ثم تقدم أحد الضباط وطرق الباب، وعندما فتح الدكتور محمود، قال له الضابط كلمات قليلة لكنها حملت معنى كبيرا: “دكتور محمود… الوطن يحتاجك”.

وخلال ساعات معدودة، انتقل إلى أحد المواقع السرية حيث استمع إلى تفاصيل الأزمة كاملة. بدت المهمة شديدة الصعوبة، فآلاف اللترات من الوقود أصبحت غير صالحة، والحرب تقترب يوما بعد يوم، ومع ذلك لم يظهر عليه التردد أو القلق، بل استقبل التحدي بعزيمة واضحة وإصرار كبير.

طلب معملًا صغيرا وبعض الإمكانيات الأساسية التي يحتاجها للعمل، ثم بدأ مهمته على الفور.

تحول المعمل خلال أيام قليلة إلى عالمه الخاص قضى ساعات طويلة بين الأجهزة والأنابيب الكيميائية، وفحص مكونات الوقود بدقة شديدة، كما أجرى عشرات التحاليل والتجارب لفهم أسباب التلف وإمكانية المعالجة ومع مرور الأيام، تحول العمل المتواصل إلى أسابيع من السهر والجهد والتركيز المتواصل.

وبعد شهر واحد فقط، ظهرت أولى النتائج المشجعة.

تمكن الدكتور محمود من استخراج نحو 240 لترا من الوقود الصالح للاستخدام من بين الكميات التي انتهت صلاحيتها مثل هذا الإنجاز خطوة مهمة، لكنه أدرك أن الأمر لا يزال غير كاف، فاحتياجات القوات المسلحة كانت أكبر بكثير من تلك الكمية المحدودة، ولذلك قرر الانتقال إلى مرحلة أكثر طموحا.

واصل أبحاثه المكثفة حتى تمكن من كشف التركيبة الكاملة للوقود، وحدد مكوناته الأساسية بدقة كبيرة، كما توصل إلى النسب المطلوبة لكل عنصر من عناصره، وبعد سلسلة طويلة من الحسابات والتجارب، حان وقت الاختبار الحاسم.

وقف الحاضرون يتابعون المشهد بقلق وترقب شديدين.

جهز الفريق أحد الصواريخ بالوقود الجديد، ثم أطلقه في تجربة عملية حاسمة. انطلق الصاروخ بقوة وثبات، وحقق الأداء المطلوب بصورة كاملة.

ساد الصمت للحظات قصيرة، ثم تحولت لحظات الترقب إلى موجة كبيرة من الفرحة والارتياح.

لقد نجحت التجربة بكل المقاييس.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ سباق حقيقي مع الزمن/، تحركت أجهزة الدولة في سرية تامة لتوفير المواد والمكونات الكيميائية اللازمة من مصادر متعددة، بينما تحول المركز القومي للبحوث إلى ورشة عمل ضخمة لا تتوقف عمل العلماء والمهندسون والفنيون جنبا إلى جنب، وواصل كثير منهم العمل لأكثر من ثماني عشرة ساعة يوميا من أجل إنجاز المهمة في الوقت المحدد.

ومع استمرار الجهود المتواصلة، تحقق الإنجاز الأكبر الذي انتظرته القيادة العسكرية.

نجح الفريق المصري في إنتاج خمسة وأربعين طنا كاملة من الوقود اللازم لصواريخ الدفاع الجوي المصرية.

وعندما علم الخبراء السوفييت الموجودون في مصر بما أنجزه العلماء المصريون، أبدوا دهشة كبيرة، فقد وجدوا صعوبة في تصديق أن المصريين استطاعوا إعادة تصنيع هذا الوقود المعقد بأنفسهم، ومن دون أي إشراف أو دعم فني خارجي.

لكن الجانب الأكثر إدهاشا في هذه القصة تمثل في شخصية صاحب الإنجاز نفسه.

لم يتحدث الدكتور محمود يوسف سعادة عن دوره، ولم يسع وراء الأضواء أو الشهرة أو التكريم، وحتى أفراد أسرته لم يعرفوا طبيعة المهمة التي شارك فيها وخلال أيام الحرب، جلس أمام جهاز الراديو مثل ملايين المصريين يتابع أخبار المعارك والانتصارات، بينما ظل دوره الحقيقي بعيدا عن الأنظار.

واستمر هذا السر محفوظا لسنوات طويلة، إلى أن بدأت الوثائق والشهادات الرسمية تكشف تفاصيل ما جرى خلف الأبواب المغلقة، وتوضح حجم الجهد الذي بذله العلماء المصريون قبل اندلاع الحرب.

وهكذا لم يحمل الدكتور محمود يوسف سعادة بندقية في ساحة القتال، ولم يقف داخل خندق مواجهة، ولم يقد قوة عسكرية إلى المعركة، لكنه خاض معركة مختلفة داخل جدران معمل صغير، وحقق فيها نصرا لا يقل أهمية عن أي انتصار ميداني، فقد واجه أزمة كادت تهدد خطط الحرب كلها، ثم انتصر عليها بعلمه وعزيمته وإصراره.

وأثبتت هذه القصة أن الأوطان لا يحميها المقاتلون وحدهم، بل يحميها أيضا العلماء والمفكرون وأصحاب العقول المبدعة، الذين يحولون المستحيل إلى واقع، ويصنعون من التجارب والأبحاث طريقا يقود إلى النصر، ويمنحون الوطن قوة لا تقل أهمية عن قوة السلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى