عادات و تقاليد

يوم البحارة في الكويت.. عادة بحرية قديمة كانت تودع الرجال بالأغاني والدموع

أسماء صبحي – قبل اكتشاف النفط وتحول الحياة الاقتصادية في الكويت كان البحر هو المصدر الرئيسي للرزق، وكانت مهنة الغوص على اللؤلؤ تشكل عصب الاقتصاد المحلي. ومن هنا نشأت عادة شعبية مميزة عرفت باسم “يوم البحارة” أو “يوم خروج السفن”، وهو اليوم الذي كانت تنطلق فيه سفن الغوص في رحلات قد تستمر لأشهر طويلة بحثًا عن اللؤلؤ في مياه الخليج العربي.

وكان هذا اليوم يعد حدثًا استثنائيًا في المجتمع الكويتي إذ تتجمع العائلات على الشواطئ لتوديع البحارة والغواصين الذين يتركون منازلهم لفترات طويلة وسط مخاطر البحر والعواصف.

وداع يوم البحارة

في صباح يوم الرحيل، كانت الموانئ والسواحل تمتلئ بالأهالي الذين يأتون لتوديع الأبناء والآباء والأزواج. وتردد النساء أهازيج شعبية تعبر عن الدعاء بسلامة البحارة وعودتهم محملين بالرزق. بينما يقف الأطفال لمشاهدة السفن الشراعية وهي تبتعد تدريجيًا عن الشاطئ.

ورغم أن المناسبة كانت مرتبطة بالأمل في تحقيق مكاسب مالية من اللؤلؤ فإنها كانت تحمل أيضًا مشاعر القلق والخوف لأن رحلات الغوص لم تكن سهلة. وكثيرًا ما واجه البحارة مخاطر الغرق أو الأمراض أو تقلبات الطقس.

البحر يصنع ثقافة كاملة

لم يكن الغوص مجرد مهنة بل أسلوب حياة متكامل أنتج عشرات العادات والتقاليد والأغاني الشعبية. فلكل مرحلة من مراحل الرحلة البحرية طقوسها الخاصة بداية من تجهيز السفن وحتى العودة إلى الميناء. وكان البحارة يؤدون ألوانًا من الغناء البحري تعرف باسم “النهمة”، وهي أغاني جماعية تساعدهم على تحمل مشقة العمل الطويل في البحر. وقد أصبحت هذه الفنون جزءًا من التراث الثقافي الكويتي والخليجي عمومًا.

عودة السفن تتحول إلى احتفال كبير

إذا كان يوم الرحيل مناسبة مؤثرة فإن يوم العودة كان أشبه بالعيد. فعندما تظهر السفن في الأفق تنتشر الأخبار بسرعة بين الأهالي، ويهرع الجميع إلى الشاطئ لاستقبال العائدين. وتقام الاحتفالات الشعبية وترفع الأعلام وتقدم الأطعمة التقليدية. فيما يتبادل البحارة قصص رحلاتهم وتجاربهم في أعماق البحر، لتتحول العودة إلى مناسبة اجتماعية ينتظرها الجميع كل عام.

تراث ما زال حاضرًا حتى اليوم

بعد اكتشاف النفط في القرن العشرين تراجعت مهنة الغوص على اللؤلؤ بشكل كبير، واختفت كثير من المظاهر المرتبطة بها من الحياة اليومية. لكن الكويت ما زالت تحرص على إحياء هذه الذكريات من خلال المهرجانات البحرية والفعاليات التراثية التي تستعرض حياة البحارة وعاداتهم القديمة.

كما تعمل المؤسسات الثقافية على توثيق الأغاني البحرية والقصص الشعبية المرتبطة بالغوص. حتى تبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال الجديدة بوصفها جزءًا مهمًا من تاريخ البلاد.

وهكذا يظل “يوم البحارة” من العادات الكويتية الفريدة التي تعكس علاقة الإنسان الخليجي بالبحر. وتروي قصة زمن كان فيه اللؤلؤ أغلى من الذهب، وكانت السفن الشراعية تحمل أحلام آلاف الأسر على أمواج الخليج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى