لواء دكتور/ سمير فرج يكتب … نحو عالم جديد
منذ عام تقريبًا كتبت مقالًا وقلت إن التاريخ سوف يُكتب مستقبلًا تحت نفس العنوان “العالم قبل ترامب والعالم بعد ترامب”، ويومها تحدث معي البعض، وكان يرى أن ما يحدث ليس بالدرجة الكبيرة لكي نقول إن هناك تغييرات كبرى ستحدث بعد الرئيس ترامب. وفجأة اندلعت الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، وحدثت الحرب الأولى بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، والتي أُطلق عليها “حرب إثني عشر يومًا” في يونيو 2025، ولم يمضِ عام حتى قامت الحرب الثانية، وهي “حرب الأربعين يومًا”، وهي الحرب التي أصبحت فيها دول الخليج العربي طرفًا دون أن يكون لها يد مباشرة فيها.
ومنذ بدأت هذه الحروب، بدأ يحدث التفكك الأولي في حلف الناتو، عندما رفضت دول الناتو الاشتراك في هذه الحرب، وأعلنت أن مهمة حلف الناتو هي الدفاع عن أوروبا، وليس منطقة الشرق الأوسط أو الخليج العربي. وكان هدف الرئيس ترامب من دعواته لهم ألا تصبح هذه الحرب أمريكية منفردة، بل كان يهدف إلى أن تصبح تحالفًا دوليًا، مثلما حدث في حرب تحرير الكويت. وحتى عندما احتاج إلى أن تدعم قوات حلف الناتو عملية فتح مضيق هرمز بالكاسحات، حيث إن عدد الكاسحات الأمريكية قد لا يكون كافيًا لهذه العملية، هنا أيضًا حدث انشقاق داخل حلف الناتو، حيث إن هناك من وافق، وهناك من اعتذر.
وهكذا غيّرت الأحداث في منطقة الشرق الأوسط أوضاع العالم كله، حتى إنه حدث انشقاق داخل القيادة الإيرانية نفسها، فهناك من وافق على الاعتذار لدول الخليج بسبب قيام إيران بضرب دول الخليج، وهناك من تضايق من تقديم هذا الاعتذار. كذلك هناك من وافق على تصريح وزير الخارجية الإيراني بفتح مضيق هرمز، للملاحة العالمية ليتم بعدها بساعات قيام الحرس الثوري الإيراني بإطلاق النار على إحدى السفن، معلنًا عدم موافقته على قرار وزير الخارجية الإيرانية. وهنا تساءل الجميع: من صاحب القرار الآن في إيران؟ خاصة أن المرشد الحالي، ابن الرئيس خامنئي، لا يعلم أحد مصيره، وهل هو في حالة تسمح له باتخاذ القرارات الحاسمة أم أن وضعه الصحي لا يسمح بذلك.
عموماً، كل هذه الأحداث سوف تجعل العالم يفكر ماذا سيحدث بعد انتهاء الأحداث بين إيران وأمريكا. وقد يقول البعض إن الأمر من المبكر التفكير فيه، ولكني متأكد أن الجميع الآن يدرس ويحلل من خلال مجموعات عمل لكي تقرر ماذا سيحدث بعد انتهاء هذه الأحداث. ولنبدأ من موقف حلف الناتو، حيث إنني متأكد أن هناك رجالًا يدرسون الموضوع بتفاصيل دقيقة تحت عنوان “حلف الناتو إلى أين؟”، خاصة عندما أعلن الرئيس الأمريكي أنه قد ينسحب من حلف الناتو، وهو الأمر الذي سيزعج بعض الدول مثل ألمانيا، وهي دولة غير نووية، وكانت تعتمد في الماضي على أنها تحت حماية المظلة النووية الأمريكية.
لذلك فإن ألمانيا تدرس الآن بجدية مسألة دخولها النادي النووي العالمي، لتصبح الدولة العاشرة التي تمتلك القوة النووية، وقد تفعل مثلها إيطاليا. وأعتقد أن هناك مجموعة أخرى تدرس وتحلل فكرة الجيش الأوروبي، ذلك المقترح الذي قدمه الرئيس الفرنسي لكي يخرج الاتحاد الأوروبي من عباءة الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي أنه قد ينسحب. وأعتقد أن هذه اللجنة بالطبع ستدرس من الدول التي ستشارك، وحجم القوات، ومركز قيادة هذا الجيش، وأسلوب وشكل التمويل المادي، إلى آخره، ولن أدخل في تفاصيل أكثر من ذلك، وهي كثيرة بالنسبة لحلف الناتو.
أما بالنسبة للموقف في الشرق الأوسط، فهو أكثر تعقيدًا، حيث أعتقد أن الجميع يدرس ويحلل من الآن ماذا سيحدث مستقبلًا، وما شكل التحالفات التي ستتم في المنطقة، وهل سيتم الاعتماد على الحماية الأمريكية التي كانت من قبل، وهل ستقبل دول المنطقة بقاء القواعد الأمريكية، خاصة إذا خرجت إيران من تلك الأحداث وهي متماسكة، رغم أنها ستكون في أوضاع سيئة بعد الضربات التي تلقتها من الولايات المتحدة. ولكن إذا خرجت متماسكة، ولديها النفط، ولديها الأموال التي كانت مجمدة، فإن كل ذلك يمكنها أن تتعافى سريعًا. وأعتقد أنها في مدة لن تزيد عن عشر سنوات قد تعود قوية مرة أخرى.
وهنا ستكون من أهم العناصر التي تهدد الأمن القومي في الشرق الأوسط، حتى لو لم يُسمح لها بالسلاح النووي، فإن حالها الجديد سيجعلها أحد العناصر التي ستكون موضوع دراسة الأمن القومي في المنطقة مستقبلًا، وتصبح أساس تفكير كل دولة في تحديد شكل التحالفات، وشكل القوى العسكرية، ومحددات وأبعاد الأمن القومي. وهل يمكن أن يُدرس ما طرحه الرئيس السيسي بإنشاء جيش عربي موحد؟ حيث إنه قرأ ما يحدث الان بل وتنبأ به، عندما أكد أن المنطقة العربية تحتاج إلى جيش موحد قادر على حمايتها والدفاع عنها. كل ذلك سيكون تحت الدراسة التي تتم حاليًا قبل أن تنتهي الحروب.
وأكاد أقول إن أمريكا أيضًا تدرس الآن كيف تعلمت من دروس الأحداث في المنطقة، لكي تنظم وتحدد وتعيد حسابات الأمن القومي في منطقة الخليج، حتى لا يتكرر قيام إيران أو غيرها من الدول بإغلاق مضيق هرمز مستقبلًا. ومن الآن ستُجرى دراسات وتحليلات في كل مكان من العالم، تدرس شكل العالم في الفترة القادمة، لتتحقق مقولتي أن “العالم قبل الرئيس ترامب شيء، وبعد الرئيس ترامب شيء آخر”.
