علاء عبدالله يكتب: هل يبدأ إصلاح الخطاب الديني من كسر الاحتكار أم من إعادة ترتيب المرجعية؟
يأتي العدد الجديد من مجلة “كل خميس” الصادرة عن مؤسسة رسالة السلام العالمية ليطرح واحدًا من أكثر الملفات حساسية في المجال الفكري والديني، وذلك عبر مقال المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي بعنوان “المتسلطون على الخطاب الديني”، وهو طرح لا يتوقف عند نقد بعض الممارسات أو الدعوة إلى تطوير أدوات التواصل الديني، بل يذهب إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك حق تفسير الدين وتحديد مرجعياته.
لا يقدم الملف المطروح نقاشًا تقليديًا حول تجديد الخطاب الديني، وإنما يفتح مساحة أوسع لمراجعة العلاقة بين النص الإلهي والتفسير البشري، حدود الاجتهاد، وتأثير ذلك على تشكيل الوعي العام داخل المجتمعات العربية والإسلامية.
ويقوم الطرح الأساسي الذي يقدمه الشرفاء على فكرة أن الخلل لم يبدأ من ضعف المؤسسات أو تراجع الخطاب الإعلامي، وإنما من انتقال مركز الثقل – بحسب رؤيته – من القرآن الكريم إلى تراكمات من الروايات والاجتهادات التي اكتسبت مع الزمن سلطة موازية للنص.
ومن هذا المنطلق، يرى الشرفاء أن جزءًا من الانقسامات الفكرية والمذهبية التي شهدها العالم الإسلامي ارتبط بتحول بعض التفسيرات والاجتهادات إلى مساحات مغلقة يصعب مراجعتها أو إعادة قراءتها بما انعكس على طبيعة الخطاب الديني ومسارات الإصلاح، وتعيد هذه الرؤية طرح سؤال قديم يتجدد باستمرار: كيف يمكن الحفاظ على ثوابت الدين مع إبقاء باب الفهم والاجتهاد مفتوحًا أمام تغير الواقع وتطور المجتمعات؟
وأحد أبرز المحاور التي يتوقف عندها الملف هو الفصل بين مستويات الخطاب؛ فهناك النص بوصفه أصلًا وهناك الفهم البشري بوصفه جهدًا قابلًا للنقاش والمراجعة، ومن خلال مقال الدكتور الشرفاء يظهر اتجاه يدعو إلى عدم تحويل التفسيرات التاريخية إلى مساحة مغلقة أو منحها حصانة تمنع مساءلتها، مع التأكيد على أن التمييز بين المقدس والبشري لا يعني إلغاء التراث، وإنما إعادة وضع كل عنصر في إطاره الطبيعي.
ويطرح هذا التناول في المقابل تحديًا مهمًا وهو كيف يمكن تجنب الوقوع بين طرفين متناقضين؛ أحدهما يغلق باب الاجتهاد بالكامل والآخر يفتح التأويل بلا ضوابط؟
ويتوقف الملف أيضًا أمام فكرة “احتكار المعرفة الدينية”، وهي فكرة تتجاوز الأشخاص إلى بنية التفكير ذاتها؛ فحين تتحول المرجعية إلى سلطة لا تسمح بالأسئلة أو المراجعة، يصبح الاختلاف مصدر صراع بدلًا من أن يكون مساحة للنقاش.
وفي هذا السياق، يربط عدد من المقالات بين الإصلاح الحقيقي وبين بناء ثقافة تعتمد على الحجة والبيان لا على الوصاية، وعلى إعادة الاعتبار لدور العقل في الفهم دون تجاوز للنص أو إلغاء للمنهج.
ومن الأفكار اللافتة داخل الملف أن أزمة العلاقة مع القرآن – وفق هذا الطرح – لا تتعلق فقط بضعف الحضور التعبدي، بل بمدى انعكاس القيم القرآنية على السلوك العام والعدالة وأدب الاختلاف وإدارة التنوع داخل المجتمع، وهنا ينتقل النقاش من سؤال: “هل نقرأ النص؟” إلى سؤال أكثر تعقيدًا: “كيف يتحول النص إلى ممارسة أخلاقية ومعيار للحياة؟”.
في النهاية، لا يقدم العدد الجديد من مجلة “كل خميس” إجابات نهائية بقدر ما يفتح مساحة جدلية حول طبيعة الخطاب الديني وحدود المرجعية وموقع الاجتهاد ودور العقل، وبين مؤيد لهذا الاتجاه أو مختلف معه يبقى الأهم أن مثل هذه الملفات تعيد النقاش إلى دائرة الفكر والحوار بعيدًا عن الاستقطاب أو المصادرة، لأن أي مشروع إصلاحي لا يبدأ من تكرار الإجابات بل من جرأة طرح الأسئلة.

