كتابنا

علاء عبدالله يكتب: حين يتحول الدين من طقوس موروثة إلى مشروع أخلاقي لبناء الإنسان

في خضم التحولات الفكرية والثقافية التي يشهدها العالم العربي، تتجدد بين الحين والآخر دعوات تدعو إلى إعادة قراءة المفاهيم الدينية السائدة، والبحث عن جوهر الرسالة الإلهية بعيدًا عن الموروثات التي تراكمت عبر الزمن، ومن بين هذه الطروحات ما يقدمه المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، الذي يطرح رؤية تدعو إلى مراجعة العلاقة بين الإنسان والدين والانتقال من دائرة التلقين والاعتياد إلى مساحة الفهم والوعي والمسؤولية الفردية.

الطرح الذي يقدمه الشرفاء الحمادي ينطلق من تساؤل جوهري ومثير للتفكير: هل تحولت بعض الممارسات الدينية لدى كثير من الناس إلى طقوس شكلية منفصلة عن أهدافها الحقيقية؟ وهل أصبح البعض يعتقد أن ترديد عبارات معينة أو ممارسة شعائر محددة بصورة آلية يمكن أن تكون بديلًا عن الالتزام الأخلاقي والعمل الصالح؟

ولا تستهدف هذه الأسئلة التشكيك في الشعائر أو التقليل من أهميتها، وإنما تفتح الباب أمام مناقشة أعمق حول الغاية من العبادات ودورها في بناء الإنسان والمجتمع، فالدين في جوهره لم يأتِ ليكون مجموعة من الحركات أو الكلمات المجردة بل جاء ليصنع إنسانًا أكثر عدلًا ورحمة وصدقًا وإحسانًا.

ومن أبرز القضايا التي يناقشها الشرفاء الحمادي قضية المسؤولية الفردية، مؤكدًا أن القرآن الكريم يضع الإنسان أمام مسؤوليته المباشرة عن أفعاله، وأن النجاة لا تتحقق إلا من خلال العمل الصالح والالتزام بمنهج الله، ووفق هذه الرؤية، فإن الاتكال على تصورات تمنح الإنسان شعورًا زائفًا بالأمان دون أن يرافقها سلوك أخلاقي حقيقي، قد يؤدي إلى إضعاف قيمة العمل وتحميل الآخرين مسؤولية لا يمكن أن يتحملها أحد عن أحد.

وفي السياق نفسه، يقدم قراءة مختلفة لمفهوم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم معتبرًا أن معناها لا يقتصر على الترديد اللفظي، بل يمتد إلى الالتزام برسالته واتباع منهجه الأخلاقي في الحياة اليومية، فمحبة الرسول الحقيقية وفق هذا التصور لا تقاس بكثرة الشعارات بقدر ما تقاس بمدى تجسيد قيم العدل والرحمة والسلام والصدق في السلوك اليومي.

ولعل أهم ما يميز هذا الطرح أنه يحاول نقل النقاش من دائرة الجدل النظري إلى ميدان التطبيق العملي، فبدلًا من التركيز على القضايا الخلافية أو الانشغال بالمظاهر يدعو إلى جعل الأخلاق القرآنية محورًا للحياة اليومية، فالعدل في التعامل، الإحسان إلى الضعفاء، حفظ كرامة الإنسان، نبذ الظلم، ومساعدة المحتاجين، كلها قيم يرى أنها تمثل التعبير الحقيقي عن التدين الواعي.

كما يوجه هذا الخطاب رسالة مباشرة إلى الشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر قدرة على إحداث التغيير، ٤الشباب اليوم لا يبحثون فقط عن إجابات جاهزة بل يسعون إلى فهم منطقي ومقنع يربط بين الدين ومتطلبات الحياة المعاصرة، ومن هنا تأتي أهمية تقديم الدين باعتباره مشروعًا أخلاقيًا وحضاريًا يساهم في بناء الإنسان وتنمية المجتمع، لا باعتباره مجرد مجموعة من الطقوس المنفصلة عن الواقع.

إن المجتمعات لا تتقدم بالشعارات وحدها ولا تتحقق النهضة بالتمنيات وإنما بالعمل الجاد وتحمل المسؤولية، وعندما تتحول القيم الدينية إلى سلوك يومي ينعكس في الشارع والمدرسة ومكان العمل والأسرة يصبح الدين قوة دافعة نحو البناء والإصلاح والتنمية.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل آن الأوان لإعادة النظر في طريقة فهمنا للدين، بحيث ننتقل من الاكتفاء بالمظاهر إلى التركيز على المقاصد ومن التعلق بالشكل إلى الاهتمام بالمضمون، ومن التكرار اللفظي إلى العمل المنتج؟

ربما تختلف الآراء حول بعض التفاصيل والاجتهادات، لكن ما لا خلاف عليه أن أي مشروع نهضوي حقيقي يبدأ من بناء الإنسان أخلاقيًا وفكريًا، وأن العمل الصالح والالتزام بالقيم الإنسانية الرفيعة سوف يظلان دائمًا المعيار الأهم في صناعة مجتمع أكثر عدلًا واستقرارًا وتقدمًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى