السادة آل المشايخ الموسوية.. دراسة في النسب والأصول بين الرواية التاريخية ووثائق الأنساب
يعد البحث في الأنساب من العلوم الدقيقة التي تحتاج إلى الأمانة العلمية والتجرد من الأهواء والميول الشخصية، لأن الغاية الأساسية منه هي الوصول إلى الحقيقة التاريخية المدعومة بالأدلة والوثائق والروايات المعتبرة، وقد أشار الإمام علي عليه السلام إلى أهمية اليقين في طلب العلم بقوله: لا تجعلوا علمكم جهلا ولا يقينكم شكا، إذا علمتم فاعملوا وإذا تيقنتم فأقدموا.
أصول السادة آل المشايخ الموسوية
ومن هنا فإن الباحث الحقيقي لا يكتفي بنقل الروايات كما وردت، بل يعمل على تمحيصها ومقارنتها وربط أحداثها وتسلسلها الزمني، ثم عرضها بصورة علمية متوازنة بعيدة عن التعصب والانحياز، كما يعتمد على إجماع أهل الاختصاص والروايات المتوارثة والوثائق التاريخية والمشجرات القديمة، ثم يقارن بينها للوصول إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب.
ويأتي هذا البحث لتسليط الضوء على عشائر السادة آل المشايخ الموسوية، وبيان أصولهم وأنسابهم، ومناقشة بعض الآراء التي نسبتهم إلى جميل بن دراج النخعي، وهي رواية يرى أصحاب هذا الاتجاه أنها لا تنسجم مع التسلسل الزمني والوثائق المتوفرة، بينما تؤكد مشجرات النسب والروايات المتوارثة انتسابهم إلى السادة الأشراف الموسويين.
ويرجع نسب آل المشايخ، بحسب المشجرات المتداولة بينهم، إلى السيد جمال الدين الملقب بالشيخ جميل بن سليمان بن صلاح الدين بن موسى بن علي بن يحيى بن الحسن بن أبي الحسن زيد بن الحسين المحدث بن زيد النار بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام.
وقد أعقب السيد جمال الدين خمسة أبناء هم: محمد، وخضر، ومسعود الذي لم يعقب، وعلي الذي تفرعت منه عشيرة البو خليفة، وفرج الله الذي تفرعت منه عشائر آل هويش وآل فلاح الدين والبو سليمان.
وتشير بعض الروايات القديمة إلى أن السيد جميل توفي سنة 740 هجرية في منطقة عكبرا شمال بغداد، إلا أن دراسات أخرى رجحت أن وفاته كانت في حدود سنة 560 هجرية، استنادا إلى ما يروى من مصاهرته لحماد الدباس الذي عاش في تلك الفترة التاريخية.
وتستند أنساب آل المشايخ إلى عدد من المشجرات القديمة، من أبرزها مشجر فخذ السيد علي المعروف بالبو خليفة، والذي دون سنة 1201 هجرية، ومشجر فخذ السيد فرج الله المعروف بفلاح الدين والمدون سنة 1200 هجرية في بلاد الشام والمعروف بالوثيقة الشامية، إضافة إلى مشجر كبير محفوظ لدى بعض أسر قضاء الحي بمحافظة واسط ويقدر عمره بعشرات السنين.
ويتميز هذا المشجر الأخير بمواصفات خاصة، إذ يبلغ طوله أكثر من ثمانية أمتار، وعرضه نحو سبعة وثلاثين سنتيمترا، وكتب على ورق خاص يحمل علامات مائية يصعب تزويرها، كما وقع عليه أربعة وعشرون نسابة وشاهدا من السادة والأشراف، وأثبتوا صحة النسب الوارد فيه.
ويستند القائلون بانتساب آل المشايخ إلى السيد جميل بن سليمان إلى جملة من الأدلة، من أهمها أن جميع المشجرات القديمة تذكر اسم جميل بن سليمان صراحة، ولا تذكر جميل بن دراج، كما أن وثائق القيمومة العثمانية الخاصة بالأراضي والأوقاف تحمل الاسم نفسه دون اختلاف.
ويستشهد أصحاب هذا الرأي كذلك بما ورد في عدد من كتب المناقب والتراجم الصوفية، ومنها كتاب بهجة الأسرار ومعدن الأنوار الذي ذكر الشيخ جميل صاحب الخطوة والزعقة ضمن كبار الأولياء الذين عاصروا الشيخ عبد القادر الجيلاني، كما ورد ذكره أيضا في كتاب قلائد الجواهر الذي أورد أسماء عدد من مشايخ العراق المعروفين في تلك المرحلة وكان من بينهم الشيخ جميل صاحب الخطوة والزعقة.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الفارق الزمني الكبير بين جميل بن دراج وبين السيد جميل بن سليمان يجعل من الصعب الجمع بين الشخصيتين. فجميل بن دراج عاش في القرن الثاني الهجري وتوفي سنة 183 هجرية تقريبا، بينما تنسب الروايات السيد جميل بن سليمان إلى فترة متأخرة تفصلها عدة قرون عن زمن جميل بن دراج.
كما تشير بعض الروايات إلى وجود قبر ومزار معروف للسيد جميل بن سليمان بين الرمادي والخالدية، إضافة إلى وجود تكية حملت اسمه في منطقة الفلاحات قرب بغداد، وكان يشرف عليها عدد من أحفاده وأتباعه.
ومن العشائر الرئيسية المنحدرة من هذا النسب عشيرة آل خليفة، الذين يرجعون إلى خليفة بن سليمان بن راشد بن بهاء الدين بن شمس الدين بن سهل بن ندى بن نجم بن عبد البدر بن العال بن عبد المولى بن أحمد بن عبود بن محمود بن حسين بن حسن بن علي بن جمال الدين الملقب بالشيخ جميل بن سليمان، وقد أعقب خليفة ولدين هما عبيد وداود، وتفرعت منهما بطون متعددة تعرف اليوم بآل غدير وغيرها من الفروع.
كما تنتمي عشيرة آل هويش إلى هويش بن عبدالله بن إبراهيم بن مهدي بن صالح بن هادي بن خليفة بن فرج الله بن جمال الدين الملقب بالشيخ جميل، وتعد هذه العشيرة من أكبر الفروع التي حافظت على نسبها ووثائقها المتوارثة، ويعرف من أعلامها عدد من النسابين وشيوخ العشائر.
أما عشيرة آل فلاح الدين فتنتسب إلى فلاح الدين بن سليمان بن ياسين بن نصر الله بن خلف بن عبدالله بن خلف بن عتيق بن هلال بن خضر بن فرج الله بن جمال الدين الملقب بالشيخ جميل، وتنتشر أسرها في عدد من مناطق العراق.
وينتمي البو سليمان إلى دخنة بن سليمان بن ياسين بن نصر الله بن خلف بن عبدالله بن خلف بن عتيق بن هلال بن خضر بن فرج الله بن جمال الدين الملقب بالشيخ جميل، وتعد من الفروع المعروفة ضمن عشائر آل المشايخ.
ومن الفروع المعروفة أيضا آل عباس الكنجي، الذين يرجعون إلى كنجي بن حسين بن كليب بن سلامة بن فلاح بن سليمان بن ياسين بن نصر الله بن خلف بن عبدالله بن خلف بن عتيق بن هلال بن خضر بن فرج الله بن جمال الدين الملقب بالشيخ جميل، ويعرف من أعلام هذا الفرع السيد حامد بن حميد بن حسن بن علي بن عباس بن عليوي بن كنجي، والذي أعقب عددا من الأبناء تفرعت منهم أسر كثيرة في مناطق مختلفة.
وتبقى دراسة أنساب السادة آل المشايخ من الموضوعات التي تحتاج إلى المزيد من التحقيق العلمي والمقارنة بين المشجرات والوثائق والمصادر التاريخية، مع ضرورة التفريق بين الروايات الشفهية والحقائق المثبتة بالوثائق، للوصول إلى صورة أكثر دقة ووضوحا عن تاريخ هذه العشائر وأصولها الممتدة عبر القرون.



