الجاهة العربية.. تقليد اجتماعي راسخ يعزز الروابط ويحل النزاعات في مجتمعات الشرق الأوسط
أسماء صبحي – تعد عادة الجاهة العربية واحدة من ابرز التقاليد الاجتماعية العريقة في عدد من دول الشرق الأوسط، خاصة في الاردن وفلسطين وبعض مناطق الخليج العربي. حيث تمثل نظاما اجتماعيا متكاملا يقوم على الوساطة والتقريب بين العائلات، سواء في مناسبات الزواج او في حل النزاعات والخلافات العائلية والقبلية.
ورغم التطور الكبير الذي شهدته المجتمعات العربية خلال العقود الاخيرة. ما زالت الجاهة تحافظ على حضورها القوي باعتبارها رمزا للتقاليد المتوارثة وقيمة اجتماعية تعكس روح التضامن والتكافل داخل المجتمع العربي.
مفهوم الجاهة العربية ودورها في المجتمع
الجاهة هي وفد من وجهاء المجتمع وكبار العائلات والشخصيات الاعتبارية. يتوجهون الى بيت عائلة اخرى بهدف طلب يد فتاة للزواج او التوسط لحل نزاع قائم بين طرفين. ويقود الجاهة عادة شخص يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة وقدرة على الاقناع والتأثير ويطلق عليه في بعض المناطق “الوجيه” او “الشيخ”.
وفي حالات الزواج، تمثل الجاهة الخطوة الرسمية الاولى التي تسبق الخطبة. حيث تتوجه عائلة العريس ومعها وفد من الوجهاء الى منزل العروس، ويتم تقديم طلب الزواج بشكل تقليدي يتضمن كلمات محددة تعكس الاحترام والتقدير بين الطرفين.
اما في حالات الصلح، فتؤدي الجاهة دورا محوريا في احتواء النزاعات، خاصة تلك التي قد تتطور الى خصومات طويلة او نزاعات عشائرية. حيث تعمل على تقريب وجهات النظر والوصول الى تسوية ترضي جميع الاطراف.
طقوس دقيقة وكلمات متوارثة
تتميز الجاهة بطقوس دقيقة وكلمات متوارثة عبر الاجيال، اذ يبدأ كبير الجاهة حديثه بجمل تقليدية تعبر عن حسن النية وطلب القرب والمصاهرة او الصلح. ومن المعتاد ان ترد العائلة المستضيفة بكلمات ترحيب قبل الموافقة الرسمية.
وتتضمن الجاهة ايضا تقديم القهوة العربية، التي تعد جزءا اساسيا من الطقوس، حيث يرمز قبول فنجان القهوة الى الموافقة المبدئية على الطلب. بينما قد يؤجل شرب القهوة في حال وجود شروط او نقاشات قبل اتمام الاتفاق.
الجاهة بين الحداثة والحفاظ على التراث
ورغم تغير انماط الحياة وتسارع وتيرة الحداثة، ما زالت الجاهة تحظى باحترام واسع في المجتمعات التي تمارسها. حيث ينظر اليها باعتبارها وسيلة راقية للتواصل الاجتماعي تعزز قيم الاحترام والتفاهم بين العائلات.
كما اسهمت الجاهة في الحفاظ على التماسك الاجتماعي داخل العديد من المجتمعات خاصة في المناطق الريفية والعشائرية. حيث تساهم في منع تصاعد الخلافات وتحويلها الى ازمات كبيرة، من خلال اعتماد الحوار والوساطة بدلا من التصعيد.
يرى مختصون في علم الاجتماع ان الجاهة ليست مجرد تقليد اجتماعي. بل تمثل نظاما عرفيا متكاملا له قواعده الخاصة ودوره في تنظيم العلاقات داخل المجتمع.
ويقول الدكتور سامر العلي، الباحث في علم الاجتماع الثقافي في الجامعة الاردنية، إن الجاهة العربية تعد نموذجا فريدا للوساطة الاجتماعية التقليدية. فهي تقوم على قيم الاحترام والهيبة الجماعية وتسهم في حل النزاعات بطرق سلمية. كما تعزز مفهوم التضامن بين العائلات والعشائر في المجتمعات العربية.
ويضيف ان استمرار هذا التقليد حتى اليوم يعكس قدرة المجتمعات العربية على التوفيق بين الحداثة والحفاظ على تراثها الثقافي مشيرا الى ان الجاهة ما زالت تؤدي دورا مهما في تعزيز الاستقرار الاجتماعي.



