عادات و تقاليد

عادة القرقيعان.. أنشودة الطفولة التي تحيي ليالي رمضان في الخليج

أسماء صبحي – في منتصف شهر رمضان، وتحديدًا في الليالي من 13 إلى 15 تتحول أحياء العديد من دول الخليج العربي إلى مسرح مبهج لأصوات الأطفال وهم يجوبون الشوارع مرتدين أزياء تراثية ملونة. مرددين أناشيد خاصة ويحملون أكياسًا صغيرة يجمعون فيها الحلوى والمكسرات. إنها عادة القرقيعان أو “القرقاعون” و”القرنقعوه” باختلاف اللهجات، إحدى أبرز العادات الرمضانية في دول الخليج. والتي تعكس روح الفرح والتكافل الاجتماعي في الشهر الكريم.

جذور عادة القرقيعان

تنتشر هذه العادة في دول مثل الكويت، قطر، البحرين، المنطقة الشرقية في السعودية، والإمارات. ويعتقد أن أصل التسمية يعود إلى صوت قرقعة الأكياس الممتلئة بالمكسرات أو إلى قرع الأطفال على الأبواب أثناء تجوالهم.

ورغم اختلاف التسميات بين “قرقيعان” و”قرنقعوه” و”قرقاعون”، فإن الطقس واحد تقريبًا. حيث يخرج الأطفال بعد صلاة المغرب أو التراويح، يطرقون الأبواب، وينشدون أهازيج شعبية تتضمن عبارات دعاء لأهل البيت بطول العمر والرزق الوفير. فيبادلهم السكان بتقديم الحلوى والمكسرات.

طقوس وأهازيج تعزز روح المشاركة

من أبرز ما يميز القرقيعان الأهازيج التراثية التي يحفظها الأطفال عن ظهر قلب. والتي تختلف كلماتها من دولة إلى أخرى، لكنها تشترك في طابعها البسيط والمرح. وغالبًا ما ترتدي الفتيات “الثوب التراثي” المطرز، بينما يرتدي الأولاد “الدشداشة” أو الملابس الشعبية التقليدية في مشهد يعيد إحياء ملامح الماضي.

الأمر لا يقتصر على توزيع الحلوى، بل يتعداه إلى تعزيز قيم الكرم والمشاركة. فالعائلات تستعد مسبقًا بشراء كميات كبيرة من المكسرات والحلوى وتغليفها في أكياس ملونة خصيصًا لهذه المناسبة. مما يخلق أجواء احتفالية مميزة داخل البيوت قبل الشوارع.

أبعاد اجتماعية وتربوية

تحمل عادة القرقيعان أبعادًا اجتماعية مهمة، فهي تعزز الروابط بين الجيران وتعيد إحياء مفهوم “الفريج” أو الحي المتماسك. كما تمنح الأطفال فرصة للتفاعل الاجتماعي المباشر، بعيدًا عن الشاشات والأجهزة الإلكترونية.

تربويًا، تعد المناسبة وسيلة لغرس قيم الامتنان واللباقة لدى الصغار، إذ يتعلمون إلقاء التحية، وترديد عبارات الدعاء، وشكر أصحاب البيوت على ما يقدمونه لهم. كما يتعرفون على موروثهم الثقافي في إطار عملي واحتفالي في آن واحد.

القرقيعان بين الأصالة والتنظيم الحديث

في السنوات الأخيرة، تطورت مظاهر الاحتفال بالقرقيعان. حيث أصبحت بعض المدارس والمراكز الثقافية تنظم فعاليات خاصة بهذه المناسبة، تتضمن عروضًا فنية ومسابقات للأطفال. كما تدخلت البلديات في بعض الدول لتنظيم الفعاليات في ساحات عامة لضمان السلامة وتوفير أجواء آمنة للعائلات.

ورغم هذا التطور، لا تزال العادة تحتفظ بجوهرها الشعبي البسيط. حيث تبقى فرحة الأطفال وهم يجمعون الحلوى ويتبادلون الضحكات هي المشهد الأبرز الذي يمنح ليالي رمضان في الخليج طابعًا مختلفًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى