ليست المعابد ولا وجه رمسيس وحده.. كنائس مصرية تتعامد عليها الشمس

أميرة جادو
تتجه أنظار العالم خلال هذا الشهر إلى ظاهرة فلكية ومعمارية نادرة، يتوافد السياح من مختلف الدول لمشاهدتها عن قرب، وهي ظاهرة تعامد الشمس على وجه تمثال الملك رمسيس الثاني داخل معبد أبي سمبل بأسوان، ففي مشهد يستمر نحو عشرين دقيقة، تخترق أشعة الشمس قدس الأقداس لتضيء تماثيل رمسيس الثاني والإله آمون رع، بينما يظل تمثال الإله بتاح، رمز الظلام، غارقًا في عتمته، في دلالة رمزية مدهشة تجمع بين العقيدة والعلم.
تعامد يتكرر ولا ينفرد
تحدث ظاهرة تعامد الشمس في معبد أبي سمبل مرتين سنويًا، في يومي 22 فبراير و22 أكتوبر من كل عام، غير أن المفارقة اللافتة أن هذه الظاهرة لا تقتصر على هذا المعبد الشهير وحده، بل تتكرر في عدد كبير من المعابد المصرية، بل وتمتد أيضًا إلى بعض الكنائس، بما يشير إلى أنها ظاهرة فلكية مصرية الجذور، ارتبطت بالعمارة والعقيدة عبر العصور.
عبقرية الفلك والعمارة
كما تعكس ظاهرة تعامد الشمس مدى براعة المصريين القدماء في علوم الفلك والحسابات الدقيقة، وهي علوم تتجلى بوضوح في إنجازاتهم المعمارية الخالدة، من الأهرامات إلى المعابد.
فقد أدرك المصري القديم الحركة الظاهرية للشمس حول الأرض، وربطها بالعمارة ربطًا محكمًا، بحيث تسمح أشعة الشمس بالدخول إلى قلب المباني المقدسة في أوقات محددة ترتبط بالمعبود أو المناسبة الدينية الخاصة بالمعبد، وهو ما يؤكد عظمة هذا العقل العلمي الفذ.
نماذج متعددة للتعامد
إلى جانب معبد أبي سمبل، نجد نماذج عديدة لتعامد الشمس في المعابد المصرية القديمة، ففي معبد دندرة بمحافظة قنا، تتعامد الشمس يومي 4 فبراير و8 نوفمبر على مقصورة بيت الولادة المخصصة للإلهة حتحور، تزامنًا مع أعياد المعبود حورس.
وفي معبد هيبس بواحة الخارجة، تتعامد الشمس يومي 7 أبريل و6 سبتمبر على قدس الأقداس، وهو معبد ينتمي إلى العصر المتأخر.
كما تتعامد الشمس يوم 8 ديسمبر على قدس الأقداس للإله آمون رع في معبد الدير البحري للملكة حتشبسوت.
وفي 21 ديسمبر، تخترق أشعة الشمس قدس الأقداس بمعبد قصر قارون في الفيوم، وهو معبد يعود إلى العصر اليوناني، ويعد هذا التوقيت إيذانًا ببدء فصل الشتاء.
أما في معبد الكرنك، فتتعامد الشمس على مقصورة قدس الأقداس للإله آمون رع في يومي 21 أو 22 ديسمبر من كل عام.
الظاهرة في العمارة القبطية
كما تكشف هذه النماذج أن التفوق المصري في علم الفلك لم يتوقف عند العصر الفرعوني، بل استمر عبر العصور المختلفة، وصولًا إلى العصر القبطي، حيث ظهرت الظاهرة نفسها في عمارة الكنائس.
ويتجلى ذلك في توجيه الكنائس نحو الشرق، ومراعاة زاوية شروق الشمس في تصميم عدد من الأديرة، مثل دير الأنبا بولا ودير القديس أنطونيوس بالبحر الأحمر، وجبل الطير، والدير المحرق، ودير الأنبا أرميا بسقارة، كما ارتبط شروق الشمس بأعياد القديسين في عدد من الكنائس الأثرية.
كنيسة الملاك ميخائيل
كما تعتبر كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بمنطقة التلين بقرية كفر الدير بمحافظة القليوبية نموذجًا بالغ الدلالة، ففي هذه الكنيسة، تتعامد أشعة الشمس على مذابحها الثلاثة في مواعيد ثابتة كل عام داخل منطقة الهياكل.
وقد صممت الكنيسة معماريًا بطريقة فريدة تسمح لأشعة الشمس بالنفاذ عبر فتحات القباب لتصل إلى المذابح في ثلاث مناسبات سنوية، في مشهد يبدأ قرابة التاسعة صباحًا وتتحرك فيه الأشعة تدريجيًا حتى تتعامد تمامًا على المذبح.
مواعيد التعامد ودلالاتها
ويحدث التعامد الأول في 23 برمودة الموافق 1 مايو على مذبح الشهيد مارجرجس في الهيكل الجنوبي، تزامنًا مع ذكرى استشهاده.
أما التعامد الثاني فيقع في 12 بؤونة الموافق 19 يونيو على المذبح الأوسط، في عيد رئيس الملائكة ميخائيل، الذي يحظى بمكانة كبيرة في الكنيسة المصرية بوصفه حامي المدن ومقوي الشهداء.
ويأتي التعامد الثالث في 16 مسري الموافق 22 أغسطس، المرتبط في التصور المسيحي بذكرى إعلان صعود جسد السيدة العذراء إلى السماء، مع ملاحظة أن دخول الشمس حاليًا تعوقه بعض المباني الحديثة.
بدأ اكتشاف الظاهرة عندما لاحظ كاهن الكنيسة وصول أشعة الشمس إلى المذبح في أوقات محددة، وبعد فحص معماري دقيق، تم الكشف عن التعامد بوضوح. وفي عام 2015، دعي أساتذة من معهد البحوث الفلكية لمعايشة الظاهرة وتوثيقها علميًا، حيث أجريت قياسات دقيقة للزوايا والفتحات باستخدام أجهزة تحديد المواقع وبرامج فلكية متخصصة، وأكدت الحسابات تطابق حركة الشمس مع تصميم الكنيسة في المواعيد الثلاثة المحددة.
وفي ضوء كل ما سبق، يتبين أن ظاهرة تعامد الشمس لم تكن استثناءً مرتبطًا بمعبد رمسيس الثاني وحده، بل كانت تقليدًا علميًا ومعماريًا متواصلًا عرفته المعابد والكنائس المصرية عبر العصور، وهو ما يؤكد أن نهر الإبداع العلمي والفني المصري ظل جاريًا، وأن المهندس المصري نجح في توظيف علم الفلك لخدمة العمارة والطقوس الدينية، في شهادة خالدة على ذكائه وعمق حضارته.



