حمراء الأسد حين نهض الجرح واستعاد الإيمان هيبته
تعد معركة حمراء الأسد في السنة الثالثة للهجرة واحدة من المحطات التي غابت عن الأضواء رغم ثقلها العميق في ميزان الصراع، فقد جاءت في لحظة شديدة القسوة بعد غزوة أحد، حين خرج المسلمون مثخنين بالجراح، مكللين بالحزن على الشهداء، لكن قلوبهم بقيت مشتعلة بالإيمان والعزم.
حكاية حمراء الأسد
عاد المسلمون إلى المدينة المنورة في شوال من العام الثالث للهجرة، وقد أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بجراح مؤلمة، شج وجهه الشريف، وكسرت رباعيته، وغرزت حلقتا المغفر في خده، ومع ذلك لم يعرف الوهن طريقا إلى نفسه ولا إلى نفوس أصحابه، فالجراح لم تطفئ جذوة الرسالة، ولم تكسر إرادة الثبات.
في تلك الليلة، لم يذق النبي صلى الله عليه وسلم طعم الراحة، فقد شغل فكره أمر قريش، هل يكتفون بما حققوه في أحد، أم يعودون وقد استبد بهم الندم ليزحفوا نحو المدينة ويقضوا على الدعوة؟ لم يطل الانتظار حتى وصلت الأخبار، فقد توقف أبو سفيان ومن معه في الروحاء، وبدأ اللوم يدب بينهم، قال بعضهم إنهم أخطأوا حين تركوا المسلمين وفيهم بقية قوة، وإن الرجوع لاستئصالهم هو القرار الأصوب، ورغم تحذير صفوان بن أمية من تجمع المسلمين، غلب الحقد، ومال الرأي إلى العودة.
بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدرك أن الحزم لا يحتمل التأجيل، فنادى في أصحابه مع طلوع الصباح، وأمر بلالا أن يؤذن بنداء حاسم، لا يخرج معنا إلا من شهد أحدا، كان النداء اختبارا صادقا للإيمان، فهب الجرحى رغم الألم، يتقدمهم رجال أنهكتهم السيوف بالأمس، لكن العزم شد ظهورهم اليوم، وكان أسيد بن حضير من بينهم، يحمل سبع جراح، ويقول بثبات سمعا وطاعة لله ولرسوله.
وجاء جابر بن عبد الله يستأذن، وقد منعه أبوه يوم أحد ليرعى أخواته، فقال إنه لا يطيق أن يتخلف عن مشهد يشهده رسول الله، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك دليلا على أن القلوب الحية لا يوقفها عذر ولا يثنيها تعب.
تحرك الجيش الصغير، لا يتجاوز عدده المئات، يتقدمهم النبي صلى الله عليه وسلم رغم ما به من ألم، حتى وصلوا إلى حمراء الأسد، على مسافة تقارب ثمانية أميال من المدينة، وهناك عسكروا، فأمرهم بجمع الحطب نهارا، فإذا أقبل الليل أوقدوا النيران، وأشعل كل رجل نارا مستقلة، حتى أضاءت أكثر من خمسمائة نار، تتلألأ في الظلام، فتبدو من بعيد كأنها جيش جرار، تهتز له القلوب، وتضطرب له النفوس.
وفي تلك الأثناء، برز دور معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكان على شركه آنذاك، لكن قلبه مال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتقى أبا سفيان في الروحاء، وسأله عن خبره، فأجابه بأن محمدا خرج في جمع لم ير مثله، وأن من تخلف عن أحد قد ندم أشد الندم، وأنهم يتعطشون للقاء، حتى ليكاد صهيل خيلهم يعلو من وراء التلال.
دب الرعب في قلب أبي سفيان، وتراجع عزمه، فقد كان قد جمع أمره على الرجوع، لكن كلمات معبد زلزلت قراره، ونصحه أن لا يقدم، فآثر السلامة، وعاد بجيشه إلى مكة، وقد تلاشت أحلامه في القضاء على المسلمين.
أقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حمراء الأسد ثلاثة أيام، وقيل أربعة، يراقبون ويتحسسون الأخبار، حتى تأكدوا من انسحاب العدو، ثم عادوا إلى المدينة وقد تبدلت النفوس، وارتفعت الرؤوس، وزال كثير من ألم أحد من القلوب.



