حوارات و تقارير

الفول المدمس.. حكاية طبق توج نفسه ملكًا على موائد رمضان في مصر

فرض طبق «الفول المدمس» حضوره بقوة على موائد المصريين خلال شهر رمضان المبارك، حتى بات ضيفًا ثابتًا ما بين الإفطار والسحور، وتوج نفسه ملكًا بلا منازع على عرش المائدة الرمضانية، وأصبح «المدمس» واحدًا من أكثر الأطباق قربًا إلى قلوب المصريين، فبقيمة بروتينه العالية يسد عند الفقراء مسد اللحم عند الأثرياء، ويمنحهم طاقة تعينهم على مشقة اليوم.

الفول المدمس.. ملك الأطباق

وتتعدد أنواع الفول، غير أن «الفول المدمس» يظل الأشهر والأوسع انتشارًا بين الناس، وقد أورد العلامة أحمد أمين في موسوعته قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية وصفًا لطريقة إعداد الفول المدمس الذي يزداد الإقبال عليه في شهر رمضان، خاصة إذا وافق ليالي الشتاء.

يقول: «وطريقة صنعه أن يوضع الفول الناشف بعد تنقيته من الحصى في قِدرة، ويضاف إليه مقدار مناسب من الماء، ثم يترك على نار هادئة طوال الليل تقريبًا، ومن يشتريه يضع عليه الزيت والليمون أو المسلي والزبد»، وهكذا تتشكل واحدة من أبسط وأشهى وصفات المطبخ المصري الشعبي.

الفول في أمثال المصريين

كما بلغ تعلق المصريين بالفول حد أن جعلوه مادة لأمثالهم الشعبية، فقالوا: «هو كالفول البايت من غير ملح ولا سمن»، و«كل فولة مسوسة لها كيال أعور»، و«كل فولة لها كيالها»، تعبيرًا عن أن لكل شيء – مهما بدا قبيحًا – من يطلبه، كما يقولون «فهمت الفولة» للدلالة على انكشاف سر أو وضوح أمر كان خفيًا.

وجرت العادة أن يكون الفول وجبة الفطور الصباحية اليومية للمصريين، أما في رمضان فقد يحضر أحيانًا على مائدة الإفطار، غير أن مكانته الأبرز تظل في السحور، إذ يمنح الصائم قوةً ويؤخر عنه الشعور بالجوع لساعات طويلة.

ويذكر العلامة علي الجندي في موسوعته قرة العين في رمضان والعيدين أن الفول المدمس من الأطعمة الأساسية التي يشترك في تناولها الفقير والغني معًا، نظرًا لرخص ثمنه وعظيم قيمته الغذائية، حتى إن العامة أطلقوا عليه لقب «مسمار الضلعة»، إذ به يستقيم الجسد طوال النهار.

وقد ذاع صيت باعة الفول حتى نظمت فيهم الأشعار، فهذا الفقيه بدر الدين بن الصاحب (ت 788هـ/ 1386م) يقول على لسان ابن بائع الفول:

أنا ابن الذي في الليل تسطع ناره .. كثير رماد القدر العبء يحمل
يدور بأقداح العوافي على الورى .. ويصبح بالخير الكثير يفول

كما تفاخر بعض أبناء الموالين ببضاعة آبائهم قائلين:

أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره .. وإن نزلت يومًا فسوف تعود
ترى الناس أفواجًا إلى ضوء ناره .. فمنهم قيام حوله ويعود

حكاية الليث بن سعد والطبق الزاهد

ومن الطرائف المتداولة أن إمام أهل مصر الليث بن سعد (ت 175هـ/ 792م) كان من كبار الأثرياء، حتى إن ولاية الجيزة كانت إقطاعًا له، وكانت له في النيل ثلاث سفن: واحدة له ولخواصه، وأخرى لأهل بيته، وثالثة لخدمه وحشمه.

وذات يوم رأى بعض الناس خادمًا له يحمل صفحة من الفول المدمس، فتعجب قائلًا: «أيأكل خدم الليث الفول مع هذه الثروة الطائلة والنعيم المقيم؟!» فضحك الغلام وقال: كلا والله، إنما نأكل اللحم طريًا ومجففًا، وصنوف الطعام وألوان الحلوى، أما هذا الفول فللإمام – أطال الله عمره وأدام نعمته.

تكشف هذه الرواية عن زهد الليث وعشقه للفول المدمس، رغم ما كان عليه من سعة حال.

كما يعد الليث بن سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني الأصل، المصري المولد، إمام أهل مصر، ولد بقرقشندة بمحافظة القليوبية حاليًا سنة 94هـ، وكانت إليه الفتوى في عصره، وقيل عند وفاته:

ذهب الليث فلا ليث لكم .. ومضى العلم غريبًا وقبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى