بعد سقوط الأندلس.. كيف صام الموريسكيون شهر رمضان؟
في إحدى ليالي صيف عام 1567م، وبعد انتصاف الليل بقليل، خرج السيد خيرونيمو، أحد أعضاء محاكم التفتيش الإسبانية، ليتفقد شوارع فالنسيا شرق إسبانيا، كان يسير متخفيًا بين الأزقة المعتمة، يراقب البيوت بصمت حذر، حين تسللت إلى سمعه عبارات غريبة تنبعث من منزل السيد المسيحي كوسمي بن عامر، الذي ينحدر من سلالة الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر، أحد أبرز حكام الأندلس وأقواهم نفوذًا، والذي بلغت فتوحاته مناطق لم يبلغها حاكم مسلم قبله ولا بعده، غير أن مجده تبدد بسقوط الحكم الإسلامي، لتنصر عائلته ويعمد أحفاده جميعًا.
سحور خلف النوافذ المغلقة
لم تمض دقائق حتى اقترب خيرونيمو أكثر، حابسًا أنفاسه أمام النوافذ الموصدة،وما إن أطل من ثغرة صغيرة حتى ارتعد مما رأى: الأسرة قد استيقظت لتناول السحور، ثم أدت الصلاة المحمدية، وتبادلت همسات بالعربية الفصحى، وبعد أيام قليلة، سيق كوسمي بن عامر وأفراد عائلته إلى المحاكمة في واحدة من أشهر القضايا التي شهدتها محاكم التفتيش الإسبانية.
رمضان بعد سقوط غرناطة
بعد سبعة أشهر من توقيع اتفاقية تسليم غرناطة عام 1491م، استقبل الموريسكيون – وهم المسلمون الذين بقوا في البلاد عقب سقوط المدينة – شهر رمضان، كان الشهر يحمل ذكرى دخول جيش طارق بن زياد إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وإطلاق اسم الأندلس عليها، لكن المشهد تبدل في عهد الملكيين الكاثوليكيين؛ أحرقت الكتب، وغابت الموائد الرمضانية التي كانت تقام طيلة الشهر، وصدر قانون يمنع كل ما يمت بصلة إلى الحكم الإسلامي.
اختفى قمر الدين الأندلسي، وتلاشت حلوى القطائف، ولم يتم إقامة صلاة التراويح في المساجد لأول مرة، وساد ظلام طغى على الباقي من المظاهر الإسلامية.
الصيام تحت طائلة الحرق
كما أصبح صيام رمضان جريمةً عقوبتها القتل حرقًا، وتحولت البلاد إلى شبكة تجسس واسعة، حيث جرى تجنيد الوشاة داخل البيوت التي يقطنها الموريسكيون.
وتذكر المصادر الإسبانية أن مراقبة الهلال صارت مهمة شبه مستحيلة بسبب انتشار المخبرين فوق المرتفعات، وكان مندوبو محاكم التفتيش يعتقلون كل من يضبط ليلًا قرب التلال.
ولما عجزت الكنيسة عن اقتلاع تمسك الموريسكيين بالصيام، أصدرت لائحة من 24 بندًا لتسهيل الوشاية بهم، تضمنت مؤشرات مثل: صيام رمضان مع مراعاة ذلك أثناء عيد الفصح، أو تقديم الصدقات، أو الامتناع عن الطعام والشراب حتى ظهور النجمة الأولى، أو الاستيقاظ للسحور قبل الفجر وغسل الأفواه ثم العودة إلى الفراش.
وتشير الشهادات إلى أن أعضاء محاكم التفتيش كانوا يجوبون الأحياء حاملين الخمر ولحم الخنزير، ويجبرون الموريسكيين على تناولهما نهارًا لإثبات إخلاصهم للمسيحية.
حيل النجاة الأخيرة
سعيًا للحفاظ على صيامهم، لجأ الموريسكيون إلى العمل في المزارع النائية والقرى البعيدة، أو إلى مهن شاقة تبقيهم خارج منازلهم طوال النهار، حتى يعودوا بعد الغروب لتناول الطعام، فيبدو الأمر وكأنه موعد عشاء عادي لا صلة له بإفطار المسلمين.
ومع تصاعد حملات القمع والإبادة، وبحلول عام 1614م، كانت إسبانيا قد أحكمت قبضتها الكاثوليكية بعد أكثر من قرن على سقوط الحكم الإسلامي، الباقي من مظاهره سوى صيام رمضان، كآخر خيط في ذاكرة الأندلس.



