قبر سيددنا آدم.. أين مات أول البشر.. ولماذا تختلف الروايات؟

قصة سيدنا آدم عليه السلام لم يثبت منها إلا ما جاء في القرآن الكريم نصًا صريحًا، غير أن كتبًا كثيرة ظهرت في عصور لاحقة اعتمدت في مادتها على الإسرائيليات، وراحت تسرد تفاصيل لا أصل قطعي لها، فتحدثت عن موضع هبوط آدم، وطوله وعرضه، بل وتطرقت إلى وفاته ومكان قبره، وهو ما فتح باب التساؤل حول مدى صحة هذه الروايات وما يستند إليه منها علميًا أو شرعيًا.
أين قبر سيدنا آدم؟
وردت عدة آثار حاولت تحديد مكان قبر سيدنا آدم عليه السلام، من بينها ما نقله أبو نصر محمد بن عبد الله الإمام، حيث أشار إلى روايات تحدثت عن موضع دفنه.
فقد أخرج الدارقطني في «سننه» عن ابن عباس أثرًا يفيد بأن جبريل صلى بالملائكة على آدم ودفنه في مسجد الخيف، غير أن هذا الأثر تضمن عبد الرحمن بن مالك بن مغول، وهو متروك الحديث، كما أوضح الدارقطني نفسه.
كما وردت روايات أخرى عند ابن عساكر وابن سعد كما نقلت في «الدر المنثور»، إلا أن أسانيدها اشتملت على الكلبي، وهو متهم بالكذب، وأبي صالح وهو ضعيف، وجاءت رواية عند أبي الشيخ عن مجاهد، لكنها لم تثبت إليه بسبب تسلسل الكذابين في سندها.
رواية إسرائيلية ضعيفة
أخرج أبو الشيخ في كتاب «العظمة» عن خالد بن معدان رواية مفادها أن آدم عليه السلام لما توفي، حمل من الهند إلى بيت المقدس على أكتاف مائة وخمسين رجلًا، ودفن هناك وجعل رأسه عند الصخرة، غير أن هذه الرواية اشتملت على رواة مجهولين، فضلًا عن كونها من الإسرائيليات، وهو ما يضعف الاعتماد عليها ويجعلها بعيدة عن القبول العلمي.
وفي السياق ذاته، ذكر محمد رشيد رضا في تفسير «المنار» أنه شاهد في الهند أضرحة تعبد من دون الله، من بينها ضريح ينسب إلى آدم وزوجه وأمه، مع أن الثابت أن سيدنا آدم عليه السلام لا أم له، مما يعكس مدى انتشار الخلط والأساطير في هذا الباب.
القول المعتمد
العتمد في هذه المسألة أنه لا يوجد دليل في كتاب الله تعالى يحدد مكان قبر سيدنا آدم عليه السلام، وقد أشار الهيتمي في «تحفة المحتاج»، أثناء حديثه عن موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف، إلى ما نقله عن ابن الجمال من أن محراب القبة هو موضع الأحجار التي كانت أمام المنارة، وبالقرب منه قبر آدم عليه الصلاة والسلام، إلا أن هذا القول لا يرقى إلى درجة الدليل القطعي.
موقف العلماء
أوضح ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» أن القبور التي اتفق العلماء على معرفتها يقينًا هي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، المنقول بالتواتر، وكذلك قبرا صاحبيه.
أما قبر الخليل إبراهيم عليه السلام، فالجمهور على أن المكان المعروف هو قبره، رغم إنكار بعض العلماء لذلك، ومنهم من نقل عنه أن لا قبر نبي معروف في الدنيا إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم.
كما أكد ابن تيمية أن معرفة قبور الأنبياء بأعيانها لا تترتب عليها فائدة شرعية، وليس حفظها من صميم الدين، ولو كانت من أصوله لحفظها الله كما حفظ سائر أمور الدين، مشيرًا إلى أن كثيرًا ممن يسألون عن هذه القبور إنما يقصدون الصلاة عندها أو الدعاء بها، وهي من البدع المنهي عنها شرعًا.



