وطنيات

جمال عبدالناصر.. من أروقة كلية أركان الحرب إلى مفترق المصير السياسي

أسماء صبحي – في مطلع عام 1946، عاد جمال عبدالناصر طالبًا مرة أخرى إلى كلية أركان الحرب. المؤسسة العسكرية الأهم في إعداد القيادات الاستراتيجية داخل الجيش المصري. وبعد عامين من الدراسة المكثفة، تخرج عبدالناصر ضمن الدفعة التاسعة عام 1948. وهي دفعة استثنائية ضمت عددًا من الأسماء التي سوف تشكل لاحقًا العمود الفقري لمجلس قيادة ثورة يوليو.

وتوثق صورة تذكارية التقطت لأفراد هذه الدفعة ملامح ذلك الجيل. حيث يظهر في الصف الأول البكباشي علي علي عامر، الذي تولى لاحقًا قيادة القيادة العربية الموحدة عام 1964. بينما ضم الصف الثاني اليوزباشي عبد الحكيم عامر إلى جانب اليوزباشي جمال عبدالناصر..وفي الصف الثالث اليوزباشي زكريا محيي الدين أحد أبرز رجال الدولة بعد الثورة.

الغائب الحاضر

اللافت في هذه الصورة التاريخية هو غياب القائم مقام أنور السادات، رغم أنه كان من خريجي الكلية الحربية مع هؤلاء الضباط. ويعود هذا الغياب إلى طبيعة المرحلة التي كان يعيشها السادات قبل الثورة. إذ اتسمت حياته آنذاك بالتنقل والملاحقة بين الهروب والمثول أمام القضاء. على خلفية اتهامه في قضية اغتيال أمين عثمان باشا عام 1946.

قضية أمين عثمان

أمين عثمان باشا، وزير المالية في حكومة الوفد، كان شخصية مثيرة للجدل بسبب تصريح أدلى به خلال خطاب في جمعية الصداقة المصرية الإنجليزية التي كان يترأسها. شبه فيه العلاقة بين مصر وبريطانيا بـ”الزواج الكاثوليكي الذي لا انفصام له”. عبارة اعتبرت آنذاك استفزازًا ووصفت بالموالاة الصريحة للاحتلال البريطاني. لتصبح شرارة واحدة من أشهر القضايا السياسية في تاريخ مصر الحديث.

وضمت مجموعة المتهمين في القضية أسماء متعددة، من بينهم حسين توفيق وشقيقه سعيد، وأنور السادات. ومحمد إبراهيم كامل الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للخارجية، إلى جانب الصحفي وسيم خالد وعبد العزيز خميس. الذي تولى فيما بعد رئاسة مجلس إدارة مجلة روز اليوسف في عهد السادات.

البراءة القضائية وصناعة البطولة السياسية

رغم نفي أنور السادات المتكرر لمشاركته المباشرة في عملية الاغتيال. فإن خروجه من القضية بحكم البراءة شكل نقطة تحول فارقة في مسيرته. وبعد أن أصبح رئيسًا للجمهورية، أعاد السادات توظيف هذه الواقعة في بناء سردية سياسية جديدة. قدم فيها نفسه باعتباره مناضلًا ضد الاستعمار وأحد رموز المقاومة الوطنية.

وفي مشهد رمزي بالغ الدلالة، عاد السادات إلى قاعة المحكمة التي شهدت محاكمته ومنح القاضي الذي أصدر حكم البراءة وسامًا رسميًا تكريمًا له. كما قام بتكريم المستشار أنور حبيب، ممثل النيابة، الذي أسهمت مرافعته في صدور الحكم، بل وأُطلق اسمه على قاعة المحكمة ذاتها.

بين الحكم القضائي والحساب التاريخي

يرى بعض المؤرخين أن براءة المتهمين في القضية لا تعني بالضرورة براءتهم التاريخية من دم القتيل بل جاءت في سياق سياسي وقانوني معقد. وتبقى هذه القضية واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث يربط البعض بين مسار العنف السياسي آنذاك وما آلت إليه الأحداث لاحقًا. وصولًا إلى اغتيال السادات نفسه في السادس من أكتوبر عام 1981 في قراءة قدرية للتاريخ لا تزال محل نقاش واسع.

مصنع قادة ثورة يوليو

شكلت كلية أركان الحرب القاسم المشترك بين معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة، باستثناء اللواء محمد نجيب الذي تخرج في دفعة أقدم. كما تخرج فيها أيضًا عدد من القادة البارزين، من بينهم صلاح سالم، وكمال الدين حسين، ومحمد صدقي سليمان.

يذكر أن صلاح سالم كان الأول على دفعته في الكلية، في دلالة على الدور المحوري الذي لعبته المؤسسة في إعداد كوادر عسكرية ذات طموحات سياسية كبرى.

السادات بين التخطيط والحسم

في حرب أكتوبر 1973، برز أنور السادات الذي كان يحمل رتبة القائم مقام بوصفه صاحب القرار السياسي والاستراتيجي. ليقدم لاحقًا باعتباره “بطل الحرب والسلام” الرجل الذي خاض معركة العبور ثم اتجه إلى خيار السلام، وعاش مدافعًا عن رؤيته حتى اغتياله.

صورة أرشيفية تختصر مرحلة

الصورة المشار إليها، والمنشورة في مجلة “المصور” في أبريل 1964 لا تمثل مجرد توثيق فوتوغرافي بل تختصر مرحلة كاملة من تاريخ مصر. حيث تتقاطع المسارات العسكرية مع الطموحات السياسية وتتشكل ملامح دولة جديدة على أنقاض زمن الاحتلال.جاء ذلك نقلًا عن المقاتل محمد السيد حجازى أحد أبطال سلاح المهندسين العسكريين فى حرب أكتوبر المجيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى