معركة نافارين.. الضربة البحرية التي غيرت خريطة شرق المتوسط
أسماء صبحي – شكلت معركة نافارين، التي وقعت في 20 أكتوبر 1827م (29 ربيع الأول 1243هـ) واحدة من أعنف وأخطر المواجهات البحرية في القرن التاسع عشر. إذ اصطدمت فيها الأساطيل العثمانية والمصرية والجزائرية، التي كانت تمثل آنذاك العمود الفقري للقوة الإسلامية في البحر المتوسط بتحالف أوروبي ضم بريطانيا وفرنسا وروسيا.
دارت المعركة في خليج نافارين جنوب غرب اليونان، وانتهت بهزيمة ساحقة للأسطول العثماني وحلفائه. لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التراجع البحري العثماني، وتمهد لسقوط الجزائر لاحقًا تحت الاحتلال الفرنسي ولانفصال اليونان عن الدولة العثمانية.
اليونان تحت الحكم العثماني
كانت اليونان جزءًا من الدولة العثمانية لقرون طويلة، إلا أن بذور التمرد بدأت تنمو مطلع القرن التاسع عشر. مع نشاط منظمة سرية عرفت باسم “أخوية الصداقة” تأسست عام 1814م في مدينة أوديسا. ولعبت هذه المنظمة دورًا محوريًا في تأجيج المشاعر القومية اليونانية مستفيدة من مناخ أوروبي عام كان مشبعًا بالأفكار القومية والثورية.
وساهمت الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية بدور بالغ التأثير إذ عملت على ترسيخ الهوية القومية، وحفظ اللغة اليونانية. وكانت تمثل الجهة الإدارية التي تتواصل باسم اليونانيين مع السلطان العثماني، مما منحها نفوذًا دينيًا وسياسيًا واسعًا.
عوامل اقتصادية وفكرية تشعل فتيل الثورة
إلى جانب الدور الديني والتنظيمي، ساعد التحسن النسبي في الأوضاع الاقتصادية داخل اليونان، والتأثر بالفكر الثوري الأوروبي، على توسيع قاعدة الغضب الشعبي. ومع مرور الوقت، تحول هذا الاحتقان إلى تمرد مسلح، لم يلبث أن انزلق إلى دائرة من العنف المتبادل والمجازر الدموية بين الطرفين.
مجازر متبادلة وتدخل إبراهيم باشا
شهدت سنوات التمرد الأولى فظائع إنسانية من الجانبين؛ ففي جزيرة شيوس قتل عشرات الآلاف من اليونانيين بينما رد الثوار اليونانيون بقتل أعداد كبيرة من الأتراك المقيمين في شبه جزيرة بيلوبونيس. ومع تصاعد الأحداث، تدخل إبراهيم باشا، قائد القوات المصرية، في محاولة لإخماد التمرد وإعادة السيطرة العثمانية على الإقليم.
روسيا والرهان على تفكيك الدولة العثمانية
رأت روسيا القيصرية في الثورة اليونانية فرصة استراتيجية نادرة لإضعاف خصمها التاريخي، الدولة العثمانية. فقد اعتبر القيصر ألكسندر الأول أن دعم اليونانيين سوف يعزز صورة روسيا كحامية للمذهب الأرثوذكسي. ويشجع العناصر الأرثوذكسية داخل الدولة العثمانية على التمرد خاصة في مناطق مثل المورة وكريت وقبرص. حيث كان اليونانيون يشكّلون كتلة سكانية كبيرة تتفوق عددًا على العنصر التركي.
محمد علي بين الطموح والفخ الأوروبي
بعد أن أنهى محمد علي باشا حملته ضد الدعوة السلفية في الجزيرة العربية، بات يمثل قوة إقليمية صاعدة، الأمر الذي أقلق القوى الأوروبية. ولتحجيم نفوذه، دفعت هذه القوى السلطان محمود الثاني للاستعانة بجيش محمد علي لقمع التمرد اليوناني.بينما أغرت والي مصر بوعود سياسية كبرى منها توسيع نفوذه الإقليمي، وربما تمهيد الطريق أمامه لوراثة الخلافة.
وافق محمد علي على التدخل مقابل الحصول على ولايتي كريت واليونان. وأسند المهمة العسكرية إلى ابنه إبراهيم باشا، الذي قاد القوات المصرية بحرًا من الإسكندرية عام 1823م، مدعومًا بخبرة سليمان باشا الفرنساوي.
نجاح عسكري يقابله انقلاب سياسي
تمكنت القوات المصرية من تحقيق انتصارات لافتة، فاستعادت السيطرة على مواقع استراتيجية. ودخلت أثينا وأجهضت التمرد اليوناني ميدانيًا، رغم الدعم البحري الذي قدمه القائد البريطاني اللورد كوكران للثوار. غير أن هذا النجاح كشف الوجه الحقيقي للتحالف الأوروبي، الذي أعلن فجأة وضع اليونان تحت “حمايته”، بينما بدأت روسيا دعم التمرد علنًا، وسط توافق بريطاني فرنسي.
التحالف الأوروبي وفرض الاستقلال بالقوة
اتفقت بريطانيا وفرنسا وروسيا على فرض استقلال اليونان قسرًا، وطالبت الدولة العثمانية بقبول الأمر الواقع. وعندما رفض السلطان، تحركت الأساطيل الأوروبية نحو السواحل اليونانية، وأمرت إبراهيم باشا بوقف القتال. ورغم التزامه المؤقت انتظارًا للتعليمات، وقعت الخديعة الكبرى.
خديعة معركة نافارين
دخلت الأساطيل الأوروبية ميناء نافارين دون رفع أعلام الحرب، في تصرف أوحى بوجود مهمة دبلوماسية. قبل أن تباغت الأسطول العثماني المصري الجزائري المشترك وتفتح نيرانها عليه فجأة. كانت الصدمة كاملة، إذ لم يكن القادة مستعدين لمواجهة بهذا الحجم، فدُمّرت السفن، وغرق الأسطول. وتحققت هزيمة ساحقة قلبت موازين القوة في المتوسط.
نتائج معركة نافارين
مثلت نافارين نقطة تحول تاريخية، إذ تحطم أحد أكبر الأساطيل البحرية في العالم آنذاك. وانتقلت الدولة العثمانية من موقع القوة إلى موقع الدفاع والضعف. واحتفلت العواصم الأوروبية بالانتصار، معتبرة ما جرى خطوة كبرى نحو إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق.
المخطط يكتمل
بعد الكارثة، أمر محمد علي بانسحاب قواته، لتحل القوات الفرنسية محلها. وفي مؤتمر أوروبي لاحق، تقرر فصل اليونان نهائيًا عن الدولة العثمانية، وتنصيب حاكم نصراني تختاره الدول الثلاث. أما الجزائر، التي فقدت معظم أسطولها في نافارين فقد وجدت نفسها مكشوفة بحريًا وهو ما استغلته فرنسا لفرض حصار انتهى باحتلالها عام 1830م.



