من “إلقاء طبق الغداء” إلى إسقاط الفانتوم والميراج.. حكايات بطولات جوية وصاعقة صنعت طريق نصر أكتوبر
أسماء صبحي – يروي اللواء طيار رضا صقر، نقلًا عن اللواء طيار أحمد عاطف عبد الحي، صورة شديدة القسوة من أيام حرب الاستنزاف حيث لم تكن التدريبات عادية ولا الاستعدادات تقليدية. كان الطيارون يتناولون طعامهم داخل دشم الطائرات أو بجوارها، والطهاة يمرون عليهم بسيارة جيب يوزعون الطعام في أطباق مختلطة. قبل أن تنطلق فجأة خرطوشة “سكرامبل” معلنة الإقلاع الفوري.
في تلك اللحظات، كانت الأطباق تلقى على الرمال دون تردد وتنطلق الطائرات للاشتباك مع العدو. ليعود الطيارون بعد المعركة مكتفين ببسكويت وشاي دون أن يشغلهم شيء سوى القتال.
سقوط أول فانتوم
في التاسع من ديسمبر عام 1969 وقعت واحدة من أبرز معارك الجو. حين اشتبكت 8 طائرات ميج-21 مصرية مع 8 طائرات فانتوم إسرائيلية في أول مواجهة مباشرة بين الطرازين.
يصف اللواء أحمد عاطف عبد الحي كيف تمكن، بإلهام وحسابات جريئة، من إسقاط طائرة فانتوم على ارتفاع منخفض للغاية. رغم أن صواريخ الميج الحرارية لم يكن مسموحًا باستخدامها أسفل 500 متر. نزل بطائرته إلى ما يشبه “وش الأرض” وأطلق صاروخين متتاليين.ليرى الدخان يتصاعد من الفانتوم قبل أن ينسحب بسرعة وسط مطاردة طائرات أخرى.
سقطت الطائرة المعادية في منطقة رأس مسلة بخليج السويس ولقي طيارها مصرعه. بينما عادت الطائرات المصرية دون خدش رغم التحليق بسرعات تجاوزت الحدود المسموح بها. مما استدعى بقاء بعض الطائرات في الصيانة لأشهر.
لماذا كان إسقاط الفانتوم إنجازًا استثنائيًا؟
منذ تلك الواقعة، أطلق العميد طيار محمد حسني مبارك على أحمد عاطف لقب F.F، أي أول قاتل للفانتوم. ويكمن ثقل الإنجاز في الفارق الهائل بين الطائرتين:
- الفانتوم تحمل 8 صواريخ رادارية، مقابل صاروخين حراريين فقط للميج-21.
- رادار الفانتوم يصل مداه إلى 50 ميلًا، بينما تعتمد الميج على التوجيه الأرضي.
- وقود الميج لا يكفي سوى نصف ساعة، في حين تستطيع الفانتوم الطيران لساعتين ونصف.
ورغم ذلك، نجح طيارو الميج المصريون في إسقاط عدة طائرات فانتوم خلال حرب الاستنزاف.
كسر أسطورة “الجيش المنتهي”
بعد نكسة يونيو 1967، ساد الاعتقاد بأن الجيش المصري انتهى، لكن معركة رأس العش جاءت لتقلب المعادلة. حيث تصدت فصيلة صاعقة لدبابات العدو ومنعتها من دخول بورسعيد لتبدأ مرحلة كسر حاجز الخوف.
تدرجت عمليات العبور من أفراد معدودين إلى مجموعات وفصائل كاملة وصولًا إلى هجمات نهارية مدعومة بالمدفعية. مثل الهجوم على نقطة لسان بور توفيق، لتصبح عمليات العبور جزءًا أساسيًا من التخطيط العسكري.
أول أسير إسرائيلي
يحكي اللواء محمد كمال الدين عطية عن لحظة أسر أول جندي إسرائيلي عام 1969 بعد كمين محكم لدورية معادية. كان الأسير يعمل في الشؤون الإدارية، مما جعله كنزًا معلوماتيًا حول أسماء الوحدات والقادة وأساليب العمل.
وتكرر بعدها أسر الجنود لكن هذا الأسير الأول حمل فرحة خاصة لكل المصريين باعتباره دليلًا عمليًا على استعادة زمام المبادرة.
مهمة في قلب المجهول
خلال حرب الاستنزاف، لعب طيارو الاستطلاع دورًا بالغ الخطورة. ويوضح اللواء طيار أمين عبد الحميد راضي أن طيار الاستطلاع يدخل إلى أهداف مجهولة. وسط دفاعات جوية لا يعرف مواقعها بإمكانات بدائية مقارنة بعصرنا الحالي.
كانت المناطق تحدد بدقة على الخرائط، وتربط بمعالم أرضية. ثم تصور بأكثر من أسلوب مع تغيير الاتجاه والسرعة والارتفاع كل نحو 13 ثانية لإرباك أنظمة الدفاع الجوي المعادية ومنع إطلاق الصواريخ.
خداع الرادارات والسيطرة على توقيتها
وصلت خبرة الطيارين إلى حد التحكم في جداول تشغيل الرادارات الإسرائيلية. فعندما اعتاد العدو على توقيتات الاستطلاع الإلكتروني غير المصريون أسلوبهم، ونفذوا طلعات استطلاع عالي مائل شرق القناة لاستدراج الدفاعات الجوية وتشغيلها. ثم مسحها إلكترونيًا وتحديد مواقعها بدقة تمهيدًا للتعامل معها لاحقًا.
خط بارليف تحت أعين الصاعقة
منذ عام 1968، بدأت قوات الصاعقة في استطلاع خط بارليف أثناء بنائه. وكان الجنود يصعدون إلى أبراج هوائيات التلفزيون لمتابعة الأعمال خطوة بخطوة رغم محاولات الطيران المعادي إبعادهم.
كشفت هذه الاستطلاعات النقاط القوية للعدو، وساعدت في وضع خطط تفاديها أو تدميرها لاحقًا خلال حرب أكتوبر.
إسقاط ميراج وأسر أول طيار
يستعيد اللواء طيار رضا صقر تفاصيل يوم 11 سبتمبر 1969 حين شنت الطائرات الإسرائيلية غارة كثيفة على المنصورة. وأقلعت التشكيلات المصرية تحت ضغط هائل ودخلت اشتباكًا عنيفًا. وتمكن الطيار مصطفى جامع من إسقاط طائرة ميراج بينما أصيب رضا صقر نفسه واضطر للقفز بالمظلة ليهبط في إحدى قرى الدقهلية وسط دهشة الأهالي.
الأكثر درامية كان وجود الطيار الإسرائيلي الأسير “جيورا” في سرير مجاور بالمستشفى. قبل أن يتلقى الأطباء اتصالًا مفاجئًا من الرئيس جمال عبد الناصر للاطمئنان على حالة الطيارين وإعلان نبأ الاشتباك رسميًا.
الهليكوبتر خلف خطوط العدو
قبل أكتوبر، كان استخدام الهليكوبتر محدودًا، لكن منذ 1969 بدأ تطوير دورها القتالي. ويوضح الطيار أحمد بديع أبو شهبة كيف تحولت الهليكوبتر إلى أداة حاسمة: مسلحة بالصواريخ تنفذ إبرار قوات خلف خطوط العدو وتعمل ليلًا دون إضاءة وعلى ارتفاعات منخفضة. جعلت تدريبات شاقة على الطيران الليلي والمناورات ضد الطائرات المقاتلة خسائر هذه الطلعات محدودة للغاية خلال الحرب.
طريق طويل نحو النصر
من إسقاط الفانتوم والميراج، إلى أسر الجنود، واستطلاع خط بارليف، وبناء عقيدة قتالية جديدة. تكشف هذه الشهادات كيف لم يكن نصر أكتوبر وليد لحظة، بل ثمرة سنوات من التضحيات، والتدريب القاسي، والإيمان بقدرة الجندي والطيار المصري على صنع المستحيل.



