عادات و تقاليد

أشهر أكلات السحور على الموائد العربية.. من السفة إلى الهريس والفول المحوج

أميرة جادو

تجمع وجبة السحور المثالية بين البساطة وسرعة التحضير والقدرة على منح الصائم الشعور بالشبع، إلا أن مكوناتها تختلف بشكل واضح من بلد عربي إلى آخر، فلا توجد وصفة موحدة أو مكونات ثابتة للسحور في العالم العربي.

أكلات السحور على الموائد العربية

فمن السفة والمسفوف في شمال أفريقيا إلى الهريس والفول المحوج وغيرها من الأطباق المتنوعة، تتعدد الألوان والنكهات والمكونات على مائدة السحور، حيث يحرص كل بلد عربي على إضافة طابعه الخاص وبصمته المميزة، لتصبح هذه الوجبة انعكاسًا لتراث المطبخ المحلي وعاداته.

السحور التقليدي أصول وعادات خاصة

في مدينة تطوان شمالي المغرب، كان يطلق المدفع بعد تناول السحور وقبل أذان الفجر بنحو نصف ساعة، إيذانًا بانتهاء وقت الطعام، ليتوجه الناس بعدها إلى المساجد والزوايا لأداء صلاة التهجد، وهو ما وثقه الباحثون في كتاب “العادات والتقاليد في المجتمع المغربي”.

أما في بيروت، فقد أشار الكاتب خالد لحام في كتابه “بيروت الذاكرة الشعبية” إلى الأثر الكبير الذي تتركه أجواء السحور في نفوس الأطفال، خاصة عندما يسمعون صوت طبلة المسحراتي وهو ينادي بأسمائهم في شوارع المدينة.

كما وثق الباحث منير كيال عام 1973 في كتابه “رمضان وتقاليده الدمشقية” مشهدًا مشابهًا في دمشق، حيث يستمر السهر بعد صلاة التراويح حتى موعد السحور.

وتحدث عن شيخ كار المسحرين، وهو المسؤول عن تدريب المسحراتية وتنظيم عملهم والتأكد من التزامهم بمواعيد التسحير، بينما تجوب الطبول والنداءات الأزقة والشوارع لدعوة الناس إلى تناول وجبة السحور التي تحمل في طياتها بركة الشهر الكريم.

“الغبقة” أجواء استثنائية في قطر

تعيش الروائية القطرية هدى النعيمي أجواء رمضانية خاصة، إذ تتابع التغيرات التي طرأت على عادات تناول الطعام في منطقة الخليج، خاصة في قطر، وتوضح أن هناك تقليدًا رمضانيًا مميزًا يعرف باسم الغبقة، وهي وجبة تتناول بين الإفطار والسحور.

وتقول إن القطريين يجتمعون خلالها في تجمعات عائلية قد تكون أحيانًا أكبر من تجمعاتهم على مائدتي الإفطار أو السحور. فبعض الأشخاص يكتفون بتناول الغبقة فقط، بينما يفضل آخرون تناول وجبة خفيفة لاحقًا مثل اللبن الرائب مع الماء، أو التمر واللبن مع الخبز.

وتشير هدى إلى أن العادات تختلف من عائلة إلى أخرى، فهناك من يفضل تناول الشوربة حتى وقت الغبقة، بينما يعتمد آخرون على إفطار مشبع قد يتحول في بعض الأحيان إلى وجبة السحور نفسها.

وتضيف أن الهريس والثريد من الأطباق الأساسية التي لا تغيب عن الموائد القطرية خلال شهر رمضان، فالهريس يتكون من حب القمح المطهو مع اللحم حتى يمتزجا معًا، بينما يتكون الثريد من الخبز الرقاق المشبع بمرق اللحم مع قطع اللحم.

الفول المدمس والبيض على السفرة المصرية

في إحدى الأغنيات الشهيرة للفنانة صباح بمشاركة الفنان المصري فؤاد المهندس، يخلد الشاعر حسين السيد مكانة طبق الفول على المائدة المصرية بقوله: “يسيب الأكل كله ويمسك طبق الفول ولقمة تجر لقمة يشبع ويقوم على طول”.

وتعكس هذه الكلمات المكانة الخاصة التي يحتلها الفول المدمس لدى المصريين، خاصة خلال شهر رمضان.

فالفول بأشكاله المختلفة، وما يضاف إليه من زيت حار أو زيت عادي مع الطحينة والليمون ومختلف التتبيلات، يعد عنصرًا أساسيًا على مائدة السحور في مصر.

وتوضح الشيف المصرية هبة عبد العليم أن بعض المصريين يمنحون وجبة السحور أهمية تفوق الإفطار أحيانًا، لأنهم يؤمنون بأن السحور المتكامل هو المفتاح لصيام مريح دون الشعور بالجوع أو العطش.

وتتميز مائدة السحور المصرية بمكوناتها التقليدية المتشابهة في معظم البيوت، إذ تتكون عادة من الفول المدمس، والبيض بمختلف طرق تحضيره، والجبن الأبيض أو القريش، والزبادي، والخضروات مثل الخس والخيار، إضافة إلى الخبز البلدي الأسمر.

كما تشير إلى أن تدميس الفول في المنازل يعد عادة قديمة ومتأصلة، حيث يطهى في قدور خاصة، ورغم سهولة تحضيره فإنه يحتاج إلى وقت طويل، ما يدفع بعض الناس إلى شرائه طازجًا من المطاعم يوميًا.

وتوضح منسقة ومصورة الطعام المصرية أن مكونات السحور المصرية صممت بعناية لتوفير الفائدة الغذائية للصائم، فالفول كبقول غني بالبروتين النباتي ويهضم ببطء، مما يمنح إحساسًا بالشبع لفترة طويلة. أما البيض والجبن فيوفران البروتين الحيواني، في حين تساعد الزبادي والخضروات على ترطيب الجسم وتقليل الشعور بالعطش أثناء الصيام.

وتؤكد أن وجبة السحور المصرية تعد من العادات الراسخة في التاريخ المصري، إذ ظلت مكوناتها الأساسية ثابتة إلى حد كبير رغم التغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع عبر الزمن.

وتضيف هبة أنه رغم ظهور بعض الوصفات الحديثة مثل خلط الفول المصري مع الجواكومولي المكسيكي المصنوع من الأفوكادو، فإن الفول المدمس يظل المكون الرئيسي الذي لا يجد المصريون عنه بديلًا على مائدة السحور.

“البطبوط” البطل على المائدة المغربية

في منزلها بمدينة أكادير المغربية، تحرص حسناء مسلم على إعداد خبز البطبوط المغربي خلال السحور، وتقدمه مع عصير الفواكه الطبيعي أو اللبن الرائب، وأحيانًا مع البغرير.

وتوضح أن البطبوط من ألذ أنواع الخبز المغربي، كما أنه من الأطباق الأساسية على مائدة الإفطار والسحور، حيث يحضر ساخنًا ولا يستغرق وقتًا طويلًا في الإعداد لأنه يطهى على الصاج.

ويمتاز البطبوط بعجينته الخفيفة وقوامه المنتفخ والهش، ويتكون أساسًا من خليط من الدقيق الأبيض والسميد والملح والحليب والخميرة والماء.

كما تحرص في بعض الأيام على إعداد البغرير، لكنها تعده بوتيرة أقل لأنه يحتاج إلى التحضير في وقت السحور نفسه، إذ لا يمكن ترك عجينته أكثر من 10 إلى 15 دقيقة قبل طهيه، ويتكون من السميد والدقيق والماء والسكر والملح والخميرة.

“السفة أم المسفوف” الوجبة الحاضرة بين الجزائر وتونس

يعد المسفوف من الأطباق التقليدية التي تحضر بشكل منتظم على موائد السحور في شمال أفريقيا، مع وجود اختلافات بسيطة في طريقة إعداده تبعًا للعادات العائلية.

في تونس، تحرص لميا العامري، وهي جدة لخمسة أحفاد من ولاية بنزرت، على إعداد المسفوف بالزبيب أو بالرمان، كما تحب التنويع في مكوناته.

وتقول إن المسفوف يعد وجبتها المفضلة في السحور، إذ يجمع بين فوائد الحبوب، حيث يعتمد أساسًا على الكسكسي المطهو على البخار مع التمر، ويمكن إضافة الفواكه والمكسرات إليه، إلى جانب زيت الزيتون أو الزبدة حسب الرغبة. كما تضيف إليه الحليب أحيانًا ليصبح وجبة غذائية متكاملة ومتجددة في مذاقها.

أما في الجزائر، فتشتهر أم عبد الكريم، وهي أم لثلاثة أطفال، بطريقة مميزة في إعداد السفة أو المسفوف، وتعتبره الطبق الرئيسي على مائدة السحور.

وتوضح أنه في بعض الأيام قد يكتفي أفراد الأسرة بسحور بسيط مثل الحليب والتمر، لكن في أوقات أخرى، خاصة في بداية رمضان، تحرص على إعداد مائدة تقليدية غنية يكون المسفوف الطبق الأساسي فيها.

وتضيف أن هذه الوصفة مغذية ومشبعة، إذ يمكن إعدادها بطريقتين؛ إما حلوة بالزبدة والزبيب والعسل، أو مالحة مع الحليب والبيض. لكنها تفضل النسخة الحلوة، حيث تمزج الكسكس مع الزبيب واللوز المجروش والزبدة، ثم تزينه بالجوز والسكر المطحون لإضفاء نكهة مميزة.

ورغم اختلاف طرق التحضير بين البلدان، يبقى المسفوف وجبة سحور لذيذة ومغذية تعكس تراث المطبخ في هذه المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى