وطنيات

الرائد طيار إسماعيل إمام.. أسطورة جوية كتبت اسمها فوق سماء أكتوبر

أسماء صبحي– في تاريخ الحروب تبقى لحظات فارقة تصنع الأبطال، لكن قليلين هم من يختارون التضحية وهم قادرون على النجاة. من بين هؤلاء يبرز اسم الشهيد الرائد طيار إسماعيل إمام، أحد أبطال القوات الجوية المصرية في حرب أكتوبر. الذي فضّل الشهادة على أن تسقط طائرته فوق أرض مدنية أو يترك مهمته.

ولد إسماعيل إمام في إحدى قرى مركز فاقوس بمحافظة الشرقية، ونشأ في بيئة مصرية بسيطة. لكنه حمل منذ صغره حلمًا كبيرًا بالتحليق والدفاع عن الوطن. وفي عام 1967، وبعد النكسة مباشرة، التحق بالكلية الجوية. في وقت لم يكن الانضمام للقوات المسلحة مجرد وظيفة، بل كان قرارًا بالثأر واستعادة الكرامة.

الرائد طيار إسماعيل إمام في حرب الاستنزاف 

مع اندلاع حرب الاستنزاف، انضم إسماعيل إمام إلى أسراب القتال..حيث كانت كل طلعة جوية تعني احتمال عدم العودة. وفي عام 1969، وخلال اشتباكات عنيفة فوق قناة السويس، تمكن من تحقيق إنجاز مهم حين أصبح أول طيار مصري يسقط طائرة إسرائيلية في تلك المرحلة. في رسالة واضحة بأن السيطرة الجوية لم تعد حكرًا على العدو.

وفي إحدى المعارك الجوية، وقع في كمين محكم من ثلاث طائرات معادية. لكن بدلاً من الانسحاب دخل الاشتباك المباشر، وأسقط طائرة ونجح في العودة سالمًا، ليبدأ اسمه في الظهور كواحد من أبرز الطيارين المقاتلين.

السادس من أكتوبر

مع انطلاق حرب أكتوبر 1973، تولى الرائد طيار إسماعيل إمام قيادة تشكيل جوي مكلف بمهام بالغة الخطورة. من بينها حماية القاذفات المصرية وتأمين العمق الجوي ومنع الاختراقات المعادية.

في اليوم الأول للحرب، تلقى إخطارًا بوجود طائرات ميراج معادية فوق بورسعيد. فأمر بتسلق التشكيل إلى ارتفاع خمسة كيلومترات وقسم الطائرات بدقة بين الهجوم والحماية.

وخلال التنفيذ، ظهر هدف معادٍ من الخلف، فانفصل عن التشكيل ونجح في تدميره بهدوء أعصاب ودقة قائد متمرس.

17 أكتوبر طلعات بلا عودة

في 17 أكتوبر، كلف بمهمة قنص حر فوق بورسعيد، وهي من أخطر عمليات القتال الجوي لأنها تتم داخل نطاق العدو دون غطاء كامل. ورصد أهدافًا معادية على ارتفاع سبعة كيلومترات تحمي تشكيلات هجومية، فقرر الصعود إلى ارتفاع تسعة كيلومترات والانقضاض بسرعة قصوى.

دخل الاشتباك المباشر وأسقط طائرة سكاي هوك معادية، وعاد من الطلعة بنجاح. في واحدة من أبرز العمليات الجوية الناجحة خلال الحرب. لكن المهمة لم تنتهي.

المواجهة الأخيرة والقرار الأصعب

صدرت الأوامر بالإقلاع مجددًا، وخلال الاشتباكات الجوية أسقط تشكيله أربع طائرات فانتوم. وأثناء مطاردته لطائرة ميراج، هاجمته طائرتان من الخلف. واستدار بسرعة، أسقط إحداهما، لكن طائرته أصيبت إصابة مباشرة واشتعلت النيران فيها.

كانت النجاة ممكنة، فضغطة زر واحدة على مقعد القفز كانت كفيلة بإنقاذ حياته. لكنه نظر إلى الأسفل مدن وأراض وسكان. طلب توجيهات العمليات، وحاول الهبوط بطائرته بعيدًا عن المناطق السكنية رافضًا تركها تسقط فوق أي هدف مدني.

واصل السيطرة على الطائرة حتى اللحظة الأخيرة، لكن الانفجار كان أسرع، ليرتقي شهيدًا في السماء التي أحبها ودافع عنها.

وسام الخلود

حصل الشهيد الرائد طيار إسماعيل إمام على وسام نجمة سيناء، أعلى وسام عسكري في مصر، تقديرًا لبطولته وشجاعته النادرة. فلم يمنح الوسام لأنه استشهد فقط، بل لأنه اتخذ قرارًا استثنائيًا في لحظة فارقة: أن يضحي بنفسه ليحمي الآخرين.

تبقى قصته واحدة من أنقى صور البطولة في تاريخ القوات الجوية المصرية. ودليلًا على أن بعض الأسماء لا تغادر السماء أبدًا. فقد رحل الجسد، لكن اسم الرائد طيار إسماعيل إمام ظل مكتوبًا فوق سماء مصر، حارسًا للحرية. وشاهدًا على أن الوطن يصان برجال يختارون التضحية حتى آخر لحظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى