عمارة قره باغ ذاكرة القوقاز الحية بين المجد التاريخي وجراح الحروب
تستحق عمارة قره باغ أن توصف بالاستثنائية بكل المقاييس، فرغم الثراء الكبير الذي تتمتع به أذربيجان في تراثها المعماري وثقافتها المادية، فإن قره باغ القديمة شكلت عبر العصور مركزا حضاريا متقدما لا لأذربيجان وحدها بل لمنطقة القوقاز بأكملها، إذ تطورت فيها هندسة معمارية فريدة تحمل قيمة فنية وتاريخية عميقة تمتد جذورها إلى آلاف السنين، ما يجعل الإقليم أشبه بمتحف تاريخي ومعماري مفتوح، غير أن هذا الإرث تعرض لأضرار جسيمة خلال فترات الحرب والصراع.
قصة قره باغ
وساهمت الظروف الطبيعية والجغرافية الاستثنائية التي تمتعت بها قره باغ في نشوء تنمية زراعية مبكرة، حيث شهدت المنطقة إنشاء العديد من المستوطنات القديمة التي تطورت لاحقا إلى مدن كبيرة محصنة بإحكام، واتصلت هذه المدن بشبكة واسعة من طرق القوافل التي ربطت الشرق بالغرب، في حين لعبت الثروات الطبيعية الغنية دورا محوريا في تطوير تقنيات البناء وابتكار أشكال معمارية مميزة عكست خصوصية المكان وتاريخه.
حضارات تضرب في عمق التاريخ
منذ أقدم العصور، احتلت شأنها شأن مناطق نهري كورا وأراكس في القوقاز، موقعا مركزيا في مسار الحضارة والثقافة، إذ تحتضن كهوفًا تحتوي على آثار تعود إلى العصر الحجري، إضافة إلى بقايا مستوطنات كبيرة من العصرين البرونزي والحديدي ما زالت شاهدة حتى اليوم، ومن أبرزها آثار مستوطنتي سيدلي وجويتيب في منطقة أغدام، والتي تعكس كثافة سكانية ونشاطا عمرانيا مبكرا.
ورغم ما شهدته المنطقة من حروب متعاقبة، فإن مراحل تاريخ قره باغ لا تزال حاضرة في معمارها القديم، حيث توثق المباني والآثار انتقال المنطقة بين حقب حضارية متعددة، وقد قسم تقرير صحفي متخصص هذه المراحل، مشيرا إلى حقبة ألبانيا القوقازية أران التي امتدت من القرن الرابع قبل الميلاد حتى بدايات القرن الثامن الميلادي، وكانت تضم أراضي قره باغ، وخلّفت إرثا معماريا مهما تمثل في العديد من البازيليكات المبكرة المنتشرة في مناطق قره باغ ولاتشين.
المسيحية والهوية المعمارية
مع اعتماد المسيحية دينا رسميا للدولة في القرن الرابع الميلادي، دعم حكام ألبانيا القوقازية استقلال الكنيسة الألبانية الرسولية، وأولوها أهمية كبيرة باعتبارها ركيزة للحفاظ على السيادة والهوية المستقلة، في مواجهة محاولات الاندماج والاستيعاب ضمن الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، وهو ما انعكس بوضوح في الطابع المعماري الديني الذي ميز تلك المرحلة.
وفي عام 551 ميلادية، انتقلت عاصمة ألبانيا القوقازية من قبالا في شمال أذربيجان الحالية إلى باردا التي ما زالت تحتفظ باسمها حتى اليوم، وهو انتقال فرض تحولا ثقافيا وعمرانيا كبيرا، إذ جرى نقل المركز الثقافي إلى مناطق الضفة اليمنى لنهر كورا، بما في ذلك أراضي قره باغ، وشهدت هذه المناطق بناء عدد كبير من البازيليكات في بدايات العصور الوسطى، خاصة في باردا ولاتشين.
في المرحلة التالية، دخلت قره باغ وألبانيا القوقازية حقبة عربية تركت بصمتها الواضحة على النسيج الحضاري والمعماري للمنطقة، حيث يصف المؤرخون العرب الفتح العربي بأنه اتسم بالتسامح مع السكان المسيحيين، وهو ما أتاح لهم الاحتفاظ بدينهم، خصوصا في المناطق الجبلية وسفوح الجبال في قره باغ، وأسهم هذا المناخ في نشوء نموذج فريد من التعايش الديني.
وتنقل المصادر التاريخية أوصافا دقيقة للحمامات العامة والأسواق المغطاة التي اشتهرت بها مدينة باردا، والتي كانت آنذاك أكبر مدن القوقاز، كما تشير إلى وجود أنظمة متطورة لأنابيب المياه الفخارية المغلقة والآبار داخل المدن، ما يعكس مستوى متقدما من التخطيط الحضري، في حين تذكر روايات من ألبان القوقاز وجود كاتدرائية مسيحية بجوار مسجد في باردا، في صورة معبرة عن التعدد الديني والتداخل الحضاري الذي ميّز قره باغ عبر تاريخها الطويل.



