ولادة المدفع الذي هز الأرض.. كيف صنع أوربان سلاح الفاتح الذي اسقط أسوار القسطنطينية

جاء رجل غريب الى باب قصر السلطان محمد الثاني في ادرنة، وكان اسمه اوربان المهندس المجري الذي ترك خدمة البيزنطيين بعدما رفضوا منحه ما يستحق، ووقف امام السلطان الشاب وقال بثقة انه قادر على صنع مدفع يخترق اسوار بابل لو كانت قائمة، وابتسم محمد الفاتح ابتسامة خفيفة وطلب منه الدليل على قدرته.
المدفع كيف صنع أوربان سلاح الفاتح الذي اسقط أسوار القسطنطينية
في غضون ايام بدأت اكبر ورشة لصب المدافع رآها العالم القديم، كما اختار اوربان مكانا خارج اسوار ادرنة، وجمع افضل صناع البرونز في الدولة وعلى رأسهم المعلم منير علي، ثلاثة اشهر من اللهب والعرق والحديد المنصهر، وكان السلطان يزور الموقع كل اسبوع ليرى العمل يتقدم امام عينيه.
بعد هذا الجهد ولد الوحش، بلغ طوله ثمانية امتار وتستطيع فوهته ابتلاع رجل واقف، فيما وصل وزنه الى ثمانية عشر طنا، كانت القذيفة الحجرية التي يطلقها تزن سبعمائة كيلوغرام وتكفي لهدم برج كامل بضربة واحدة.
واجهتهم بعدها معضلة نقل هذا العملاق من ادرنة الى اسوار القسطنطينية، مهدوا طريقا طويلا وسووه بالتراب ودهنوه بالزيت لتسهل حركة العجلات، وضعوا المدفع فوق عربة خشبية ضخمة وربطوا اليه مئتي ثور من اقوى ثيران الاناضول، ومعهم ستون رجلا يدفعون ويشدون الحبال، استغرقت الرحلة شهرين كاملين وكانت كل خطوة تهز الارض وكل صوت حوافر يعلن وصول قوة لا يمكن تصورها.
عندما وصل المدفع الى اسوار القسطنطينية في ابريل الف واربعمائة وثلاثة وخمسين ساد صمت مطبق ثم اشعل الفتيل، كان الانفجار اشبه بانشقاق السماء، وروي ان الصوت وحده كسر نوافذ بعيدة وان النساء اجهضن من الخوف وان الطيور سقطت من السماء، اما القذيفة فطارت كأنها تنين وضربت السور العظيم وفتحت فيه ثغرة هائلة تمر عبرها كتيبة كاملة.
يوميا كان المدفع السلطاني المسمى بازليك يقصف الاسوار التي صمدت قرونا امام العرب والصليبيين والبلغار والافار، وكل طلقة كانت تقول للمدينة العتيقة ان زمنها انتهى، وفي 29 من مايو الف واربعمائة وثلاثة وخمسين سقطت القسطنطينية بعد الف عام من الصمود.
ظل المدفع العملاق رمزا لعبقرية اوربان واصرار الفاتح الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، واعلن نهاية عصر وبداية اخر، واليوم يرى الزائر بقاياه في متحف اسكدار العسكري في اسطنبول، قطعة برونزية ضخمة ما زالت تحمل صدى الطلقة التي غيرت وجه التاريخ.



