تاريخ ومزارات

مغامرات حرخوف الرجل الذي فتح قلب إفريقيا للمصريين

مغامرات حرخوف، في زمن الدولة القديمة، حين كان النيل لا يزال يخفي أسراره جنوب الشلال الأول، عاش رجل سيظل اسمه يتردد في التاريخ أكثر من أربعة آلاف سنة: حرخوف، وكان صبياً صغيراً حين رافق والده إيزي السمير الوحيد والمرتل في أولى بعثاته إلى بلاد الجنوب،و تخيل طفلاً يقف على ضفة النيل في إلفنتينة، يرى السفن الطويلة تنزلق فوق المياه المتلألئة، ووراءها الرمال الذهبية تمتد إلى ما لا نهاية منذ تلك اللحظة، سكن قلب حرخوف حب لا ينطفئ للمجهول.

مغامرات حرخوف

كبر حرخوف فأصبح قائداً للجنوب ومديراً لكل البلاد الأجنبية هناك، وخدم ملكين عظيمين: مرن رع ثم الطفل الملك بيبي الثاني الذي جلس على العرش وهو ابن ست سنوات فقط،  وفي كل مرة كان يستدعى إلى القصر، كان يعود بأمر جديد: “اذهب واكتشف لنا ما وراء النيل”.

في إحدى رحلاته الأولى أرسله مرن رع إلى بلاد إيام، تلك الأرض الغامضة التي يسميها المصريون أرض الأشباح، وقال له الملك: “افتح طريقاً لم يسلك من قبل”، وعاد حرخوف بعد ستة أشهر فقط يقود قافلة محملة بالبخور والأبنوس وجلود الفهود، وفي عينيه بريق من رأى العجائب، كتب في نقوش مقبرته بفخر هادئ: “أثنى عليّ جلالة الملك أكثر مما أثنى على أي بعثة سابقة”.

لكن حرخوف لم يكن يحب العودة من الطريق نفسه، كان يقول لرفاقه: “المغامرة الحقيقية في الطريق الذي لا يعرفه أحد”، فكان يختار دروب الجبال الوعرة، يعبر الأودية التي تكثر فيها الأسود والنمور، يصادق زعماء القبائل، وينام تحت النجوم التي لم يرها المصريون من قبل.، وفي كل رحلة كان يعود بثروة أكبر وبقصص أغرب.

أجمل ما في قصته حدث في آخر رحلاته الكبرى رغم شيوخ عظامه، عادت عيناه تحمل شرارة الصبي الذي رافق والده قبل عقود، و عاد من قلب إفريقيا يقود ثلاثمائة حمار تحمل البخور والعاج والزيوت العطرية، ومعه قزم صغير راقص من أرض الأرواح أحضره خصيصاً للطفل الملك بيبي الثاني.

عندما وصلت الأخبار إلى القصر، كتب الملك رسالة إلى حرخوف يقول فيها بحماس: “تعال بسرعة! أريد أن أرى هذا القزم قبل أن يموت! احفظه لي كما تحفظ كبد عينك! إن مات في طريقك فسأغضب منك غضباً لا يطفأ!” ابتسم حرخوف حين قرأ الرسالة، فهو يعلم أن الطفل الملك لم يرَ شيئاً أغرب من هذا الكائن الصغير القادم من أعماق القارة السوداء.

لكن ما يجعلنا نحب حرخوف حتى اليوم ليس حمولات البخور والعاج، بل قلبه، كتب على جدران مقبرته كلمات لم نعتد أن نقرأها في نصوص الدولة القديمة:
“لم أسمح أبداً أن يُظلم جاري في قاربي…
لم أترك جائعاً يبيت جائعاً ولا عطشان يبيت عطشاناً…
لم ألوّث النيل يوماً…
فعلت الخير لكل إنسان”.

ثم أقسم أمام الآلهة قائلاً: “أنا الذي لم يكذب، لم يظلم، لم يرفع صوته على ضعيف… عشت كما يجب أن يعيش المصري الحق”، في مقبرته بقبة الهوا في أسوان، لا يزال هذا الصوت يصلنا بعد أكثر من 4200 سنة، صوت رجل لم يفتح لمصر طريقاً إلى إفريقيا فحسب، بل فتح للإنسانية صفحة جديدة من الشجاعة والرحمة معاً.

رحل حرخوف، لكن النيل لا يزال يجري، وكلما مرت سفينة جنوب الشلال الأول، يبدو لك وكأن شبح رجل طويل يقف على الصخرة، ينظر إلى الأفق البعيد، ويبتسم… لأنه يعلم أن الطريق الذي فتحه لن يُغلق أبداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى