تاريخ ومزارات

من هي هند الحرقة حفيدة أمرؤ القيس؟.. أشعل جمالها الحرب وزارها خالد بن الوليد

أميرة جادو

يمتلئ تاريخ العرب بالعديد من النماذج عظيمة، خاصةً بالشخصيات النسائية اللائي كان لهن دور في تشكيل التاريخ، وبهن ضرب المثل في الشجاعة والإقدام، وعند الحديث عن المرأة العربية في تاريخ ما قبل الإسلام، لا يجب أن ننسى الشاعرة الفصيحة الجميلة هند الصغرى، حفيدة الشاعر العربي الكبير أمرؤ القيس، صاحب المعلقة الأكثر شهرة في تاريخ الشعر العربي.

من هي هند الصغرى؟

هي هند بنت النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة من قبيلة بني لخم، والتي كانت تسكن في جنوب الجزيرة العربية، وهي شاعرة عربية فصيحة، عاشت قبل الإسلام، والدها هو النعمان بن المنذر آخر ملوك مملكة المناذرة في الحيرة، وأمها مارية الكندية وهي عربية نسطورية مسيحية.

اشتهرت بجمالها العربي وعيونها التي كانت بلون بني تعكس جمال الصحراء، فكان كل من يراها يقع في حبها، حتى أنها لقبت “بالحرقة”، بينما أطلق عليها شباب قبيلتها بهند الصغرى، وذلك للتفريق بينها وبين هند بنت الحارث.

نشأتها وحياتها

لم تختلف نشأتها وحياتها عن سائر العرب في هذا العصر، خاصةً وأن والدها ملك الحيرة، لذلك عاشت هند حياة تارفة في بيت أبيها النعمان بن المنذر ملك مملكة الحيرة وأخر ملوكها، في نعيم ملك أبيها.

تسابق العديد من أبناء كبار القبائل العربية لخطبتها والزواج منها، ولكنها كانت تتدلل وترفضهم، ليس طمعا في شخص بعينه، وإنما كانت تشعر بالفخر كونها ذات حسب ونسب وجمال.

ذاع صيتها وجمالها الناضر إلى مسامع ملك الفرس كسرى أبرويزا، فما كان منه إلا أنه أعجب بها وتقدم لطلبها للزواج، فرفض النعمان بن المنذر تزويجها له، وتعلل بأنه ليس عربيا، وبنات العرب لا تتزوجن من العجم.

الدفاع عن المرأة العربية

غضب أبروايزا، فحدث ما لا يتوقعه أحد، فقد عزم على الانتقام منه لإهانته إياه، إذ قرر أن يسبي هند الحرقة، ويتزوجها ويكسر غرورها، لكنه لم يظهر هذا الأمر، وادعى قبوله لرأي النعمان بن المنذر، فاستشار وزيره الداهية بزرجمهر بن البختكان، وكان من دواهي الفرس، فأشار عليه بأن يستدعي والدها.

فدعى أبروايزا والدها لزيارته، ووافق النعمان على تلبية الدعوة، ولكن بعض الناس قالوا للنعمان لا تأمنن كسرى ووزيره، فخرج النعمان إلى قبيلة شيبان العربية وأَودع أهله وسلاحه وابنته عند هانئ بن مسعود الشيباني زعيم قبيلة بني شيبان.

وعندما وصل والدها إلى قصر أبروايزا، تجمع حوله الحرس وقادوه للحبس وظلوا يذيقوه العذاب حتى مات، فأفزع موته قبيلته وأهله، ولما كانت هند عند زعيم قبيلة بنو شيبان وعلمت بطلبها عند كسرى، أنشدت قصيدة تطالب فيها فرسان بنو شيبان بشفاعة أميرتهم صفية بنت ثعلبة الشيبانية.

صيانة الأمانة

طلب وزير أبروايزا من زعيم بني شيبان سلاح النعمان وابنته، وظل يرفع سيفه حتى دخل على هانيء بن مسعود، وسلمه رسالة كسرى، فرفض بن مسعود أن يسلِم سلاح النعمان وابنته إلّا إلى صاحبه صيانة للأمانة، ولما علم بن مسعود بتجهيز جيش كبير من فرسان كسرى، أخذ هند وسلاح أبيها وتوجه إلى صفية بنت ثعلبة الشيبانية، شاعرة بني شيبان وحجيجتهم، وهي أخت عمرو بن ثعلبة الشيباني فارس بني شيبان المغوار.

وأرسلت صفية رسالة لكسرى تقول له فيها، إنها تحمي هند الحرقة إلى جِوارها، وإذا فكر في القتال فسيكون في استقباله جيش بقيادة عمرو أخيها ومعه جنود بنو شيبان وقبائل النعمان، كما أرسلت هند لقومها تطالبهم أن يحموا جارتهم صفية من ظلم وبطش كسرى، وإلا تركتهم وطلبت الحماية من غيرهم، فيلحقهم الذل والعار حتى أخر نسلهم.

معركة ذي قار

نشبت الحرب بين بنو شيبان وقبائل المنذر، وخاضوا معركة عرفت في التاريخ بـ”ذي قار” ضد الفرس دفاعا عن هند، حيث أقبل كسرى بجيش عظيم، فكان جيش بني شيبان لهم بالمرصاد، وهزموهم شر هزيمة، أغاظت هذه الهزيمة كسرى، فأرسل جيشا كبيرا آخر، وجعل ابناه في المقدمة بجواره، فلما علمت القبائل العربية في ذلك الوقت ما حدث عزموا على دعم بنو شيبان وانضموا إليهم في قتال كسرى، فأبادوهم وهزموا شر هزيمة، وقتل ابنا كسرى.

فازداد العرب قوة، ولم يجرؤ على الاقتراب منهم أو قِتالهم أحد، حتى إن القبائل الأخرى دخلت في تحالفات معهم، وأُرسلت الحرقة للزواج من النعمان بن الريان وهو ابن عمها الوحيد الذي نجا من الهجوم الفارسي على مملكة الحيرة، وبعد ذلك منحه كسرى الثاني عرش الحيرة.

زيارة خالد ابن الوليد لها

بعدما فتح خالد بن الوليد مملكة الحيرة، أول ما قام به زيارة الحرقة في بيتها، وتحدث معها وأحسن إليها وعرض عليها أن تدخل في الإسلام، إلا أنها اعتذرت عن تغيير دينِها بسبب كبر سنها.

فتسامح معها خالد بن الوليد، وأمر لها بمعونة وكسوة، لكنها اعتذرت أيضا عن عدم قبول الهدية، وأخبرته عن عدم حاجتها إلى المساعدة، فلما ذهب من عندها، جاءها قومها يسألوها عما فعل بها خالد بن الوليد، فقالت لهم قولتها الشهيرة: “صان لي ذمتي وأكرم وجهي، إنما يكرم الكريم الكريم”.

وفاتها

تقول الرويات وكتب التاريخ أن هند الحرقة عاشت في كنف قومها حتى توفيت في عام 74 من الهجرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى