أمير المدائن الذي حمل أمتعة الناس بيده.. قصة مدهشة من سيرة سلمان الفارسي
بعد فتح المدائن، العاصمة التي كانت يومًا مقرًا لملوك الفرس، دخل رجل من بني عبس إلى سوق المدينة ليقضي بعض حاجاته، وكانت الأسواق آنذاك تعج بالحركة، حيث امتزج أهل فارس بالمسلمين الذين استقروا في المدينة بعد الفتح، وبعد أن انتهى من شراء ما أراد، بحث عن رجل يساعده في حمل متاعه، فوقع نظره على رجل بسيط الهيئة يقف في طرف السوق، فظنه أحد الحمالين، فتقدم إليه قائلًا في عفوية: احمل لي، رحمك الله.
من هو سلمان الفارسي
ابتسم الرجل في هدوء، وحمل المتاع على كتفه، وسار بجواره دون أن يبدي أي اعتراض، وخلال الطريق أخذ المارة يلقون عليه السلام بكل احترام، وهم يقولون: السلام عليك يا أبا عبد الله، فاستغرب الرجل العبسي هذا التقدير الكبير لشخص ظنه قبل قليل مجرد حمال، وزادت دهشته كلما مروا بمجموعة جديدة من الناس، إذ كانوا يستقبلونه بالمهابة نفسها، فلم يتمالك نفسه، وسأله: من أنت يرحمك الله، فأجابه في تواضع: أنا عبد من عباد الله.
لكن الإجابة لم تزل حيرة الرجل، وما إن مروا بمجموعة أخرى حتى سمعهم يحيونه باللقب نفسه، فأوقف أحدهم وسأله: من هذا الرجل، فنظر إليه متعجبًا وقال: هذا أبو عبد الله سلمان الفارسي، صاحب رسول الله ﷺ، وأمير المدائن، عندها شعر الرجل بالخجل الشديد، وأسرع يقول لسلمان: سامحني، لم أكن أعرفك، أعطني متاعي فأنا أولى بحمله، لكن سلمان رفض بلطف وقال: لا والله، حتى أبلغك منزلك.
جسد سلمان الفارسي بهذا الموقف معنى القيادة في الإسلام، فلم ير في المنصب سببًا للتكبر أو التميز على الناس، بل كان يرى أن خدمة الناس شرف لا ينتقص من قدر صاحبه، وقد عُرف عنه زهده الشديد حتى إنه كان ينفق من عطائه على الفقراء ويعيش من كسب يده، رغم أنه كان واليًا على واحدة من أهم مدن الدولة الإسلامية، لتبقى سيرته شاهدًا على أخلاق جيل الصحابة الذين جعلوا التواضع والعدل أساسًا للحكم، بعد أن كانت المدائن لقرون طويلة مقرًا لملوك الدولة الساسانية الذين أحاطوا أنفسهم بمظاهر العظمة والترف.



