سليمان الحلبي.. قصة الطالب الأزهري الذي اغتال كليبر وانتهى بأقسى عقوبة عرفها التاريخ
تعد قصة سليمان الحلبي واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ الحملة الفرنسية على مصر، فقد ارتبط اسمه باغتيال قائد الحملة الجنرال كليبر، ثم بتنفيذ واحدة من أبشع عقوبات الإعدام التي سجلتها المصادر التاريخية، وهي عقوبة الخازوق، وذلك في ظل أجواء اتسمت بالعنف الشديد بين قوات الاحتلال الفرنسي والمقاومة المصرية.
من هو سليمان الحلبي
بدأت الأحداث مع وصول الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، إذ اندلعت ثورة القاهرة الأولى رفضًا للاحتلال، وشارك فيها عدد من علماء الأزهر، من بينهم الشيخ أحمد الشرقاوي، أحد أبرز شيوخ الجامع الأزهر، غير أن القوات الفرنسية تمكنت من قمع الثورة بعنف، وأصدرت أحكامًا بالإعدام على عدد من قادتها، وكان الشيخ أحمد الشرقاوي من بين من لقوا حتفهم خلال تلك الأحداث.
وفي تلك الفترة، كان سليمان الحلبي، وهو طالب علم قدم من مدينة حلب السورية للدراسة في الأزهر، يتابع ما جرى لأستاذه وللمصريين، فقرر الانتقام من قادة الاحتلال، وتشير المصادر إلى أنه انخرط في إحدى مجموعات المقاومة التي كانت تعمل سرًا ضد الفرنسيين، خاصة بعد تصاعد المواجهات التي أعقبت ثورة القاهرة الثانية، والتي شهدت أعمالًا عسكرية عنيفة في أحياء القاهرة، ولا سيما منطقة بولاق.
وفي 14 يونيو 1800، توجه سليمان الحلبي إلى مقر إقامة الجنرال كليبر، وتمكن من الوصول إليه داخل حديقة القصر، ثم باغته بعدة طعنات قاتلة أودت بحياته، كما أصاب كبير المهندسين الفرنسيين الذي حاول التدخل لإنقاذ كليبر، قبل أن يفر من المكان، إلا أن القوات الفرنسية ألقت القبض عليه بعد وقت قصير، إثر تحقيقات واسعة شملت عددًا من المقربين منه.
وخضع سليمان الحلبي لمحكمة عسكرية فرنسية، كما قُدم للمحاكمة أربعة من طلاب الأزهر القادمين من غزة، بعد اتهامهم بمساعدته أو العلم بخطته، وانتهت المحاكمة بالحكم على سليمان بالإعدام بالخازوق، بينما صدر الحكم بإعدام الطلاب الأربعة بقطع رؤوسهم، ونُفذت الأحكام في مشهد بالغ القسوة، عكس طبيعة العقوبات العسكرية التي كانت تُنفذ خلال تلك المرحلة.
وتذكر المصادر التاريخية أن يد سليمان اليمنى أُحرقت قبل تنفيذ حكم الإعدام، باعتبارها اليد التي استخدمها في اغتيال كليبر، ثم نفذ فيه حكم الخازوق، وترك جسده معلقًا عدة أيام ليكون عبرة لغيره، وهي عقوبة كانت تُعد من أشد وسائل الإعدام قسوة في ذلك العصر.
ولا تزال قصة سليمان الحلبي محل جدل حتى اليوم، ففي حين تنظر إليه روايات مصرية وعربية باعتباره أحد رموز مقاومة الاحتلال الفرنسي، تصفه بعض المصادر الفرنسية بأنه قاتل ارتكب جريمة اغتيال سياسي، وهو ما يعكس اختلاف الروايات التاريخية باختلاف زاوية النظر إلى الحدث.
ومن المعلومات المؤكدة تاريخيًا أن رأس سليمان الحلبي نُقلت إلى فرنسا عقب إعدامه، وظلت محفوظة لسنوات طويلة ضمن المجموعات الأنثروبولوجية في متحف الإنسان في باريس، بينما يحتفظ متحف الجيش في مجمع الأنفاليد ببعض مقتنيات الجنرال كليبر، لتبقى القصة واحدة من أكثر صفحات الحملة الفرنسية على مصر إثارة للنقاش بين المؤرخين حتى اليوم.



