المزيدحوارات و تقارير

“دنشواي الأولى في سيناء”.. كيف أسقط أبناء قبائل سيناء أخطر جاسوس بريطاني ضد ثورة عرابي

كتب – علاء عبدالله
في ذكرى ثورة 30 يونيو التي جسدت اصطفاف المصريين دفاعًا عن وطنهم وسيادته، تعود إلى الواجهة واحدة من الصفحات المنسية في تاريخ المقاومة الوطنية، وهي حادثة مقتل المستشرق البريطاني إدوارد هنري بالمر في صحراء سيناء عام 1882. وتعد هذه الواقعة من أكثر الأحداث غموضًا في تاريخ الثورة العرابية، إذ تكشف بوضوح تداخل الاستشراق مع الاستعمار، واستخدام بريطانيا للباحثين والمستشرقين كأدوات استخباراتية لتمهيد الطريق لاحتلال مصر، قبل أن يفشل أبناء سيناء تلك المهمة في واحدة من أبرز صور المقاومة الوطنية.

جاسوس في ثوب مستشرق

مع تصاعد الثورة العرابية، سعت بريطانيا إلى إحكام سيطرتها على مصر عبر خطة عسكرية واستخباراتية متكاملة، تضمنت استمالة قبائل سيناء ومنطقة القناة بالمال، لضمان تأمين تحركات الجيش البريطاني وعزل البدو عن تأييد أحمد عرابي.

وفي هذا السياق، وقع الاختيار على المستشرق البريطاني إدوارد هنري بالمر، أستاذ اللغة العربية بجامعة كامبريدج، والذي كان يجيد العربية ولهجات البدو، وعرف بين قبائل سيناء باسم “الشيخ عبد الله”، بعدما زار المنطقة قبل سنوات ضمن بعثات استكشافية لدراسة آثار سيناء.

مهمة سرية لإسقاط الثورة

وافَق بالمر على المهمة التي كلفته بها وزارة الحربية البريطانية مقابل مكافآت مالية كبيرة، حيث أوكلت إليه مهام استطلاع ولاءات القبائل، ورشوة المشايخ، وشراء الجمال، والعمل على منع انضمام بدو سيناء إلى الثورة العرابية، بل واستقطابهم للقتال إلى جانب القوات البريطانية.

وتكشف مذكراته الشخصية، التي عثر عليها لاحقًا، أنه كان على علم مسبق بقصف الإسكندرية واحتلالها، كما تحدث بثقة عن نجاحه في استمالة بعض القبائل، وكتب أنه ينتظر وصول القوات البريطانية لتنفيذ مخططه بالكامل.

أوهام القوة والمال

بالغ بالمر في تقاريره إلى لندن، مدعيًا أنه قادر على تجنيد أربعين ألف مقاتل من بدو سيناء ضد عرابي، وهو رقم يفوق بأضعاف العدد الحقيقي للمقاتلين في المنطقة آنذاك.

واقتنعت الحكومة البريطانية بتلك المزاعم، فسلمته مبلغًا ضخمًا بلغ 20 ألف جنيه إسترليني لتوزيعه على القبائل، وكلفته بمهمة أخطر تتمثل في قطع خطوط التلغراف العثمانية بين مصر وإسطنبول، بما يضمن عزل الثورة العرابية عن أي دعم خارجي.

أبناء سيناء يحبطون المخطط

في أغسطس 1882، انطلق بالمر مجددًا إلى عمق سيناء برفقة ضابطين بريطانيين وعدد من مرافقيه، لكن تحركاته كانت قد وصلت إلى قائد قلعة نخل اليوزباشي علي حسين، الذي أدرك حقيقة المهمة، فتعاون مع رجال من قبيلتي الترابين والحويطات لإيقافها.

وعند وادي سدر، تمكن رجال القبائل من القبض على أفراد البعثة البريطانية، وتم إعدام بالمر ورفاقه رميًا بالرصاص، لتنتهي بذلك واحدة من أخطر العمليات الاستخباراتية البريطانية قبل احتلال مصر، وتفشل خطة شراء ولاء القبائل السيناوية.

انتقام بريطاني ومحاكمات قاسية

أثـار مقتل بالمر غضبًا واسعًا في بريطانيا، فأرسلت بعثة تحقيق عسكرية إلى سيناء بقيادة الكولونيل تشارلز وارين، الذي قاد حملة واسعة للقبض على المشاركين في العملية، مستخدمًا وسائل تحقيق قاسية وتعذيبًا للحصول على الاعترافات.

وأسفرت المحاكمات العسكرية عن إعدام 11 من أبناء القبائل علنًا في الزقازيق، وسجن آخرين، وعزل محافظ قلعة نخل من منصبه، إلى جانب مصادرة ممتلكات بعض القبائل، بينما نقلت رفات بالمر إلى لندن ودُفنت في كاتدرائية سانت بول تكريمًا له باعتباره خدم التاج البريطاني.

بطولة خلدها التاريخ وغيبتها الروايات

ورغم أهمية الواقعة في مسار الاحتلال البريطاني لمصر، فإنها لم تحظ بالاهتمام الكافي في الدراسات التاريخية، وظلت تفاصيلها غائبة عن الوعي العام، بينما تؤكد أحداثها أن أبناء سيناء رفضوا بيع ولائهم أو الانقلاب على الثورة العرابية، وأحبطوا مخططًا استخباراتيًا بالغ الخطورة قبل أن يتحول إلى واقع.

وفي ذكرى ثورة 30 يونيو، تتجدد استعادة هذه الصفحة المشرقة من تاريخ مصر، باعتبارها شاهدًا على أن الدفاع عن الوطن ووحدة أراضيه كان وسيظل نهجًا راسخًا لدى المصريين، وأن أبناء سيناء كانوا، عبر التاريخ، في مقدمة الصفوف لحماية أرضهم وإفشال مخططات التدخل الأجنبي، لتبقى حادثة مقتل إدوارد هنري بالمر واحدة من أبرز بطولات المقاومة الوطنية التي تستحق أن تروى للأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى